يعد كتاب «سيكولوجيا الحرب» للطبيب النفسي جون ت. ماكوردي من الكتب التأسيسية في مجال التحليل النفسي للظواهر الجماعية، وتحديداً ظاهرة الحرب، وقد كتب خلال الحرب العالمية الأولى (1916-1917) وهو محاولة جريئة لتطبيق أدوات علم النفس الدينامي (وديناميكية الجماعات) على الظاهرة الأكثر تدميراً في التاريخ البشري.
يرفض ماكورد «في كتابه الذي ترجمه إلى العربية إسماعيل زين العابدين» وصدر عن دار الحوار للنشر والتوزيع، التفسيرات السطحية التي ترجع الحرب إلى أسباب سياسية أو اقتصادية فقط، ويسعى بدلاً من ذلك إلى كشف الجذور النفسية العميقة التي تجعل الإنسان، هذا الكائن المتحضر، يندفع نحو التدمير الجماعي بهذه اللاعقلانية.
*محاولة للفهم
يستخدم ماكوردي المنهج المقارن، معتبراً أن الحرب مرض نفسي جماعي، وأن دراسة أعراضه يمكن أن تقودنا إلى فهم أسبابه، وربما إلى سبل علاجه، ويكتب في مقدمته: «إن هدف عالم النفس هو جعل الناس يفكرون قبل أن يفعلوا».
يطرح السؤال الأساسي: لماذا يتمسك الإنسان بالحرب بهذه اللاعقلانية رغم خسائرها الفادحة؟ ويرى أن السلام ليس غياب الحرب، بل هو فترة تراكم القوى النفسية التي تؤدي إلى الحرب، ويدعو إلى استخدام علم النفس الدينامي لفهم الحرب، تماما كما يستخدم الطب لفهم الأمراض.
يقارن بين الحرب والمرض النفسي، ويرى أن الحرب هي ناتج خلل في توازن القوى النفسية الطبيعية، وليس إضافة شيء غريب من الخارج، وينتقد كلاً من العسكريين (الذين يرون الحرب حلاً لكل مشكلة) والسلاميين (الذين يريدون تغيير الطبيعة البشرية بمرسوم) مؤكداً أن الوقاية من الحرب تتطلب تعليماً نفسياً وفهم الذات، تماماً كما تتطلب الوقاية من الأمراض العقلية وعياً ذاتياً.
يستعرض ماكوردي آراء فرويد وإرنست جونز حول دوافع الحرب، وعلى سبيل المثال فإن فرويد يرى أن الحرب تكشف عن الهمجية الكامنة في الإنسان، وأن الحضارة مجرد قشرة رقيقة، والحرب تسمح بتفريغ الغرائز البدائية المكبوتة (كشهوة التدمير والقسوة) التي يقمعها المجتمع في أوقات السلم.
*رغبة محمومة
أما إرنست جونز فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويرى أن الرغبة في العنف قد تكون هي السبب الأساسي للحرب نفسها، وليس مجرد عرض من أعراضها، ويستشهد ماكوردي بمقولته: «الحرب الجيدة هي التي تقدس كل قضية» (نقلاً عن نيتشه) منتقداً هذا التفسير، ويرى أنه يبالغ في أهمية الغرائز الفردية، ويتجاهل العوامل الاجتماعية والجماعية، ويخلص إلى أن الغرائز البدائية مهمة، لكنها ليست السبب الوحيد، فهي أشبه «بشرارة» تشعل فتيل الحرب، لكن الوقود الذي يغذيها هو عوامل اجتماعية أوسع.
ينتقل ماكوردي إلى تفسير ويلفريد تروتر، الذي يرى أن غريزة القطيع هي المفتاح لفهم الظواهر الاجتماعية، بما فيها الحرب، ويرى أن العداء للغريب هو جزء طبيعي من غريزة القطيع، وأن الإنسان ينظر إلى أعضاء الجماعات الأخرى وكأنهم من نوع مختلف، ما يبرر العدوان عليهم، ويصف كيف أن اقتراحات القطيع أقوى من العقل الفردي، وكيف أن الطبقة الوسطى المستقرة، التي تشكل العمود الفقري للدولة، تتميز بقدرتها على تجاهل الحقائق الجديدة لمصلحة تقاليد القطيع.
يصف ماكوردي التغييرات النفسية التي تطرأ على الأمة والفرد أثناء الحرب، فعلى مستوى الأمة يكون هناك تماسك أكبر، تختفي الخلافات الداخلية، وتزداد الكراهية للعدو، وتنتشر الشائعات، وتظهر الريبة تجاه كل أجنبي، وعلى مستوى الفرد تتراجع الأنانية، وتزداد روح التضحية، والشعور بأن الفرد جزء من كيان أكبر (القطيع) وفقدان الخوف من الموت الفردي لمصلحة الجماعة.
*اختبار
هناك ملحق في الكتاب عنوانه «أمريكا في الحرب» وقد كتبه ماكوردي بعد دخول الولايات المتحدة الحرب (إبريل 1917) ويحلل الموقف النفسي للأمريكيين قبل الحرب: انقسامهم بين مؤيد للحلفاء وآخر لألمانيا، وضعف الولاء للدولة الأمريكية ككل، وغلبة المصالح الفردية والجماعات الصغرى (كالنقابات والأحزاب) على المصالح الوطنية.
يرى أن الحرب هي اختبار حقيقي للوحدة الأمريكية، وأن التحدي الأكبر هو تحويل هذا التجمع من مهاجرين إلى أمة واحدة متماسكة، ويلاحظ أن الرئيس ويلسون استخدم في خطابه خطابين متوازيين: خطاب المبادئ العليا (الموجه للمثقفين) وخطاب الرد على الإهانات (الموجه للجماهير) ويختم بتأكيد أن مستقبل أمريكا كأمة حقيقية يعتمد على دورها في الحرب العالمية، وعلى قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية.
يرى الكتاب أن الحرب ليست نتيجة العقل، بل نتيجة الغرائز، ويؤكد ماكوردي أن الإنسان يحمل نزعات بدائية مثل العدوان والخوف والانتماء للجماعة، وعندما تضعف ضوابط العقل تتحول هذه النزعات إلى صراعات وحروب، ويوضح أن الفرد داخل الجماعة يتخلى أحياناً عن تفكيره النقدي، ويتبنى آراء المجموعة بسهولة، مما يجعل تعبئة الشعوب للحرب أكثر سهولة عبر الشعارات والدعاية.
ينهي ماكوردي كتابه بتأكيد أن الحرب ليست ظاهرة معزولة، بل هي نتاج أعمق القوى الإنسانية، وأنه لا يمكن القضاء عليها بالتشريع أو الاتفاقات الدولية، تماماً كما لا يمكن علاج المرض العقلي بالقوة أو بالوعود، والحل الوحيد، بحسب ماكوردي، هو التعليم النفسي، أي تمكين الإنسان من معرفة نفسه وفهم القوى الخفية التي تحركه، وبالتالي تمكينه من اختيار مسار مختلف.
*وعي ذاتي
«سيكولوجيا الحرب» كتاب كلاسيكي يتجاوز زمنه، يقدم قراءة نفسية عميقة لظاهرة الحروب، تجمع بين التحليل الفرويدي للغرائز البدائية، ونظرية القطيع عند تروتر، وتطبيقاتهما على سلوك الأمم والأفراد في زمن الحرب، يرى ماكوردي أن الحرب هي مرض نفسي جماعي، وأن علاجها يتطلب وعياً ذاتياً، وتوسيعاً لدائرة الولاء، وإيجاد بدائل نفسية واجتماعية للعنف، ويظل هذا الكتاب مرجعاً مهماً لكل من يبحث عن فهم أعمق للعنف البشري، ولكل من يؤمن بأن السلام يبدأ من الداخل، من أعماق النفس، قبل أن يتحقق في الميادين.


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.