لعل أبرز ما تعكسه الفنون بوصفها مرآة عميقة تعكس جوهر وجود الإنسان، أنها تعدُّ وسيلة صادقة لنقل المشاعر البشرية، تلك المشاعر التي تتخطى حدود الزمان والمكان، وتشكل جسراً للتفاهم والتعايش، ذلك لأن الفن في أبعاده السحيقة، هو بكل تأكيد وسيلة للتطهير الذاتي، وهو الذي يمنحنا فسحة لتأمل ذواتنا نحو كل ما هو جميل ويثري الثقافة والوعي الإنساني المدهش.
في هذا الإطار، يمكن الحديث عن الدور الذي تؤديه مؤسسة الشارقة للفنون التي أنشئت عام 2009 على يدي سموّ الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، لتكون مؤسسة ثقافية غير ربحية ترعى الفن المعاصر وتدعم الفنانين والممارسات البصرية.

فعاليات

اليوم أصبحت مؤسسة الشارقة للفنون، حاضنة لثقافة الفن، ذلك الذي تحول من خلالها من مجرد لوحة ورؤية إلى منارة عالمية، حيث تصنع هذه المؤسسة من تلاقي الثقافات جسراً يربط أصالة الماضي بآفاق المستقبل الفني، وأكثر من ذلك، فالمؤسسة ليست مجرد حاضنة للإبداع، بل هي النبض الحي الذي يترجم أحلام الفنانين إلى لغة عالمية يفهمها الجميع، وصارت الشارقة عبارة عن مساحات فنية منتشرة في أمكنة عديدة، حيث تلتقي أصالة الجذور بجرأة الحداثة.
وتترجم المؤسسة الفن من مجرد تعبير بصري إلى لغة حوار عالمية تجمع شعوب الأرض وتذيب المسافات، هنا، يتحول الفن إلى مختبر فكري يعيد صياغة وعينا بالعالم، ويجعل من الإبداع أسلوب حياة متجدداً.
وهنا، في قلب الشارقة، تصنع المؤسسة تاريخاً جديداً للجمال، حيث تلتقي عراقة المكان بجرأة الأفكار المعاصرة، لتنير شمس الإبداع على العالم، من خلال مختلف أنواع الفنون التي تجمع بين اللوحات والكلاسيكية ورؤى التركيبات والمنحوتات الفنية العالمية، وفق رؤية حضارية تقودها المؤسسة لتجعل من الفن مرآة تعكس عمقنا الإنساني وأحلامنا، فصارت المؤسسة من دون شك هي القلب النابض للفن في المنطقة.
تنقسم المهام الرئيسية لمؤسسة الشارقة للفنون إلى أربعة محاور أساسية، هي: (بينالي الشارقة)، وهو الحدث الدولي البارز الذي يستقطب الفنانين المعاصرين من مختلف أنحاء العالم. و(لقاء مارس) ذلك التجمع السنوي الذي يحتضن الممارسين الفنيين والمحترفين لتبادل الرؤى وتداول الفن، و(برنامج الفنان المقيم والمنح) و(البرامج التعليمية والإنتاجية).
والمؤسسة ترعى التجريب الفني المعاصر، وتحرص على استمرار آليات التنمية التعليمية من خلال تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية متخصصة للأطفال، والشباب، والكبار، إضافة إلى ذوي الإعاقة.

أهداف استراتيجية

تتولى المؤسسة مجموعة من الأهداف الثقافية والفنية الرئيسية التي تهدف إلى دعم الإبداع وربط المجتمع بالفن المعاصر، ومن هذه الأهداف، حرص المؤسسة على ترسيخ مكانة إمارة الشارقة كمركز عالمي للفن المعاصر، من خلال تنظيمها لمعارض محلية ودولية وعروض سينمائية وموسيقية وأنشطة تعليمية متنوعة على مدار العام، وتنظم المؤسسة مجموعة من المعارض الفنية الدورية لفنانين محليين وإقليميين ودوليين في مختلف الفنون البصرية، كما تحرص على صون الهوية المعمارية والثقافية في الشارقة، وترميم المباني التاريخية وتحويل البيوت التراثية والمباني القديمة في الشارقة إلى مراكز فنية ومساحات عرض، كما تنشر المؤسسة سلسلة من الكتب والأبحاث والدراسات والكتالوجات التي توثق الحراك الفني في المنطقة، ومن أهداف المؤسسة الحرص على استمرار وتيرة التبادل الثقافي الدولي وبناء الشراكات مع العديد من المتاحف والمؤسسات الثقافية العالمية لتبادل الخبرات والمعارض، وتمثيل الفن العربي وتعزيز حضور الفنانين من المنطقة في المحافل الثقافية الدولية.
تستشرف المؤسسة التحولات الفنية المعاصرة، لتكون منصة إبداعية تعيد صياغة الأسئلة الجمالية والثقافية في المنطقة والعالم، انطلاقاً من إيمانها بدور الفن كقوة تحويلية، حيث تسعى إلى استباق التحولات الجمالية، واستمرار وتيرة ربط الفن بعمقه التجريبي، من أجل بناء المعرفة وإثراء الحوار الفني والثقافي والعالمي الذي يسعى لمد جسور التبادل الثقافي واستشراف أفق الفنون المعاصرة، من خلال دعم الممارسات الفنية المغايرة والمبتكرة، وتفعيل الحوار وربط الهوية المحلية بالآفاق العالمية.

دور ريادي

يقوم بينالي الشارقة الدولي للفنون بدور ريادي في دعم المشهد الثقافي الإقليمي والعالمي منذ انطلاقته عام 1993. وتتنوع المهام والمسؤوليات التي يقودها البينالي انسجاماً مع رؤية المؤسسة لترسيخ مكانة الإمارة كعاصمة للثقافة والفنون، فهو يوفر منصة دولية تجمع الفنانين المعاصرين من مختلف دول العالم لعرض أعمالهم المبتكرة وتبادل الخبرات الفنية الثرية، كما أنه يسهم في تمويل وإنتاج أعمال فنية جديدة وخاصة بالموقع، ما يدعم الفنانين في تحقيق مشاريعهم الطموحة، وهو في ذات السياق يحفز الحوار الإقليمي، من خلال طرحه لقضايا معاصرة تهم المجتمع والمنطقة عبر معارض دورية تدمج الأبعاد الاجتماعية والسياسية بالجماليات البصرية.

وجهة نظر

نظمت المؤسسة في العام الجاري النسخة ال13 من معرضها السنوي «الشارقة وجهة نظر» المخصص للتصوير الفوتوغرافي، وانطلق في الفترة بين 8 أغسطس ويستمر حتى 29 نوفمبر، في رواق الفوتوغراف، وتضم هذه النسخة مجموعة من الأعمال الفنية الجديدة التي أنتجها 6 فنانين بتكليف من المؤسسة، والتي تختبر إمكانات التصوير الفوتوغرافي الوثائقي وتطوره الدائم.
تضم المؤسسة مجموعة مقتنيات تم اختيارها من الأعمال الفنية، ومن خلال تكليف الفنانين لإبداع أعمال خاصة ببينالي الشارقة وبرامج المؤسسة، وتضم هذه المجموعة أكثر من 5000 قطعة، تشكل المجموعة الأبرز من حيث النوع، إذ تسهم في إثراء ذائقة الجمهور.
تتراوح الأعمال الفنية في المجموعة بين حركات الفن التي ظهرت منذ عشرينات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر.
وسعياً منها لاستكشاف بقايا المشاريع التاريخية وتحولات الفن المعاصر عبر أعمال تركيبية وعروض سينمائية وأدائية، تسعى المؤسسة لتنظيم الدورة ال17 من بينالي الشارقة، في الفترة ما بين 21 يناير إلى 13 يونيو المقبلين بمشاركة 109 فنانين عالميين ومحليين.
يتمحور البينالي حول فكرة «بقايا الماضي غير المعاش» والمشاريع التاريخية غير المكتملة التي لا تزال تؤثر في واقعنا المعاصر.

المباني التاريخية

ضمن مبادراتها المتواصلة لإعادة توظيف المباني التاريخية وتفعيلها بوصفها فضاءات للفن والثقافة في مختلف أنحاء الشارقة، افتتحت المؤسسة في يناير 2026، (رواق الفوتوغراف) وهو أول رواق عام في الإمارات مكرس لفن التصوير الفوتوغرافي، ويقع الرواق مقابل دوار الكويت في منطقة المناخ، وهو مركز ثقافي متعدد الوظائف مؤلف من طابقين ومكرس لفن التصوير الفوتوغرافي، إذ يضم غاليري يعرض مجموعة صور تاريخية من مقتنيات صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.

ملامح

تأسست عام 2009
تقتني 5000 قطعة فنية
بينالي الشارقة انطلق عام 1993
«رواق الفوتوغراف» افتتح في 2026
109 فنانين في بينالي الشارقة 17
مقتنيات


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.