إبراهيم إمام، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة PlanRadar: تشهد منطقة الخليج تحوّلاً جذريًا في مشهدها العمراني. هذه المشاريع لا تتمحور فقط حول الأفق المستقبلي أو أهداف خفض الانبعاثات، بل تعكس رؤى وطنية تهدف إلى تأمين مستقبل اقتصادي ومجتمعي مستدام. ومع ذلك، تبرز هنا تساؤلات مهمة: هل مواقع البناء في منطقتنا مهيأة رقميًا لتحقيق هذه الرؤى الطموحة؟

إن تطلعات المدن الذكية ترتبط مباشرة بالبنية التحتية الرقمية، ولكن المراحل الأولى من التنفيذ – أي البناء – غالبًا ما تتأخر رقميًا. عدم التوافق بين الطموحات الرقمية لمخططات المدن الذكية والأساليب التقليدية للبناء قد يؤدي إلى تأخيرات، وتجاوزات في الميزانية، وانخفاض في جودة التنفيذ. وبالتالي، أصبحت الجاهزية الرقمية لأطراف القطاع أمرًا حتميًا.

البنية التحتية الرقمية في مواقع البناء: التقدم والتحديات
تبذل حكومات الخليج جهودًا كبيرة لتطوير أطر عمل داعمة للبناء الذكي. وفقًا لتقرير BCG لعام 2023، فإن 47% من الشركات في الخليج تطبق تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما وصلت 25% منها إلى مراحل متقدمة من النضج الرقمي. ورغم هذا التقدّم، يبقى التطبيق الفعلي على أرض الواقع متفاوتًا.
تشير بيانات MEED Intelligence إلى أن أكثر من 60% من شركات المقاولات تخطط لزيادة استثماراتها في الأدوات الرقمية بحلول عام 2025، خصوصًا في أنظمة السحابة، وتطبيقات التقارير الميدانية، وتقنيات ضمان الجودة. ورغم الاهتمام المتزايد، إلا أن استخدام هذه الأدوات فعليًا في مواقع العمل لا يزال دون التوقعات.
سد فجوة التحول الرقمي
تُعد منصات التقنية مثل PlanRadar أدوات رئيسية في تسهيل هذا التحول، حيث تقوم برقمنة عمليات التفتيش، وأتمتة التقارير، وتبسيط التواصل بين الفرق والمقاولين وأصحاب المشاريع. وبهذا، تتمكن الفرق الميدانية من العمل بنفس الكفاءة التي تُدار بها مكاتب التخطيط.
يتطلب دمج الرقمنة في الموقع تدريب الفرق، وتوحيد الإجراءات، وربط الأجهزة بأنظمة ذكية تُسجل وتحلل البيانات لحظيًا. كما يجب التغلب على الأنظمة التقليدية ومقاومة التغيير، والتي أشار إليها معهد McKinsey العالمي كأهم التحديات أمام التبني الرقمي.

الفوائد الملموسة: الاستدامة والجدول الزمني والتكلفة
توفر المواقع الرقمية فوائد حقيقية وملموسة. وفقًا لدراسة للمفوضية الأوروبية، يمكن للأدوات الرقمية تقليل الأعمال المتكررة بنسبة تصل إلى 30%، وتقليص مدة التنفيذ بنسبة 20%. هذا يعني انبعاثات أقل، وهدرًا أقل، واستخدامًا أفضل للمواد.
في الخليج، حيث تشكل الاستدامة محورًا لخطط مثل رؤية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات لصفر انبعاثات 2050، فإن تقليل الانبعاثات خلال مراحل البناء يمثل مكسبًا بيئيًا واقتصاديًا طويل الأجل.
وقد تمكنت جهات في المنطقة من تقليل عدد ساعات العمل المهدورة بفضل PlanRadar، عبر أتمتة إدارة المهام الميدانية وإعداد التقارير. كما أن خاصية SiteView، التي تتيح توثيقًا بصريًا بزاوية 360 درجة، ساهمت في تقليل زيارات المواقع، وتسريع اتخاذ القرار، ورفع مستوى الشفافية في المشاريع متعددة المواقع.

الاستعداد لمستقبل البناء بالذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورًا بمكاتب التصميم، بل أصبح أداة فعالة في التنبؤ بالمخاطر الزمنية، وتقديم حلول عمل مبنية على تحليل الأداء التاريخي وتوافر الموارد.
ورغم قناعة 65% من الشركات في المنطقة، وفقًا لاستطلاع PwC، بأهمية الذكاء الاصطناعي في قطاع البناء خلال السنوات القادمة، إلا أن أقل من 30% منها تمتلك خارطة طريق واضحة لتطبيقه.
يجب بدء تجارب عملية في مجالات مثل: جدولة الأعمال التنبؤية، والتفتيش عبر الطائرات بدون طيار، وربط أنظمة الاستشعار بالتحليلات اللحظية. كما أن دمج نماذج BIM مع تقنيات التحليل وإنترنت الأشياء يفتح آفاقًا للصيانة الوقائية، وتتبع الأصول، وإعداد تقارير الاستدامة.

الخاتمة: من الرؤية إلى التنفيذ
نجاح المدن الذكية لن يُبنى على المخططات فقط، بل على أرض الواقع في مواقع البناء يومًا بعد يوم. ومع تسارع خطط التنمية في الخليج، بات من الضروري أن تستثمر الشركات في الأدوات الرقمية والمهارات اللازمة لبناء مستقبل أكثر ذكاءً واستدامة.
الاستعداد الرقمي لمواقع البناء هو الأساس الذي ستقوم عليه المدن الذكية في المنطقة. وتمكين الفرق الميدانية بالبيانات اللحظية، والأتمتة، والتعاون الرقمي هو السبيل لضمان تنفيذ المشاريع وفق معايير المستقبل.
الشركات التي تغتنم هذه اللحظة لن تقتصر إنجازاتها على بناء أبنية مميزة، بل ستكون في طليعة التحول الرقمي الحقيقي في قطاع البناء في الشرق الأوسط.


المصدر: جريدة الوطن

شاركها.

التعليقات مغلقة.