يكشف المؤرخ البريطاني نيكولاس رانكين في كتابه «ونستون تشرشل والخداع البريطاني»، ترجمة علي أمين علي، عن جانب مغاير تماماً للصورة النمطية للحرب العالمية، مقدماً سرداً تاريخياً يركز على الحرب غير المرئية التي دارت خلف الجبهات: حرب المعلومات، والتضليل الاستراتيجي، وصناعة الأوهام العسكرية.
لا يقتصر الكتاب على توثيق المعارك الكبرى، بل يتعمق في الآليات التي مكنت بريطانيا من التفوق على خصومها عبر عقود من التخطيط الخداعي، مستندة إلى عبقرية تنظيمية في مجالي الاستخبارات والدعاية النفسية، تحت إشراف قادة سياسيين وعسكريين، وفي مقدمتهم ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية.
الكتاب بمثابة تأريخ شامل لظهور «عقل الدولة الخادع» في بريطانيا، حيث تطورت أدوات الخداع من تجارب بدائية في الحرب العالمية الأولى إلى عمليات استراتيجية معقدة في الحرب العالمية الثانية، أثبتت أن النصر العسكري لا يحسم بالقوة المادية وحدها، بل بإدارة إدراك العدو وتشكيل تصوراته.

* تطور

يؤكد رانكين أن تفوق بريطانيا العسكري في الحربين العالميتين لم يكن نتيجة القوة النارية أو التفوق العددي فحسب، بل كان ثمرة لعبقرية استثنائية في فنون الخداع والاستخبارات وصناعة الوهم الاستراتيجي، فبريطانيا، وفقا للكاتب، طورت على مدى ثلاثة عقود «عقلاً خادعاً» للدولة.
هذه العبقرية الخداعية، كما يرى رانكين، لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثقافة تنظيمية وإدارية راكمتها بريطانيا عبر تجاربها الاستعمارية، وطورتها استجابة لتفوق خصومها العددي في كل من الحربين، ويرصد الكتاب البدايات المبكرة لثقافة الخداع في المؤسسة العسكرية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث برزت الحاجة إلى تعويض النقص في القوة البشرية والعتاد بالمكر التنظيمي.
تطورت هذه الثقافة عبر ثلاثة مسارات متوازية: التمويه العسكري كإخفاء القوات والمعدات، واستخدام التقنيات البصرية لتضليل الطائرات والمراقبين، والعمليات النفسية كإدارة معنويات العدو من خلال الشائعات والحملات الإعلامية، وتطوير أجهزة استخبارات متخصصة كمكتب الاستخبارات البحرية، وإدارة العمليات الخاصة، التي أصبحت لاحقا العمود الفقري للخداع البريطاني.

*خطط

يركز الكتاب على الدور الحاسم للاستخبارات البريطانية، وبخاصة في مجال فك الشفرات ومراقبة الاتصالات، ومن أبرز محطاتها فك شفرة إنجما الألمانية، الذي حققه فريق من علماء الرياضيات والمحللين في بلتشلي بارك، بقيادة آلان تورينغ، ما أتاح لبريطانيا الاطلاع على خطط العدو في الوقت الفعلي.
كذلك إدارة العملاء المزدوجين، حيث تم تحويل جواسيس ألمانيا الذين تم القبض عليهم إلى أدوات لتضليل برلين، من خلال تغذيتهم بمعلومات مضللة تصل إلى قادة العدو عبر قنواتهم الخاصة، ومراقبة الاتصالات السرية، وتحليل أنماط السلوك الإذاعي للوحدات العسكرية الألمانية، لتقدير مواقعها وخططها.
يشرح الكاتب كيف حولت بريطانيا الإعلام إلى سلاح فتاك، من خلال إنشاء محطات إذاعية مزيفة تبث أخباراً مضللة موجهة إلى جنود ومدنيي العدو، وإدارة حملات نفسية منسقة تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للجيش الألماني، واستغلال وسائل الإعلام المحايدة والدولية لنشر معلومات تخدم الأهداف الاستراتيجية البريطانية.

* تضليل

يقدم رانكين عرضاً لأشهر العمليات الخداعية في التاريخ العسكري الحديث، وعلى رأسها «عملية فورتيتيود» وهي عملية تضليل كبرى سبقت إنزال نورماندي، حيث نجحت بريطانيا في إقناع القيادة الألمانية بوجود جيش أمريكي – بريطاني وهمي بقيادة الجنرال باتون في جنوب شرق إنجلترا، استعداداً لغزو كاليه وليس نورماندي، هذه العملية أوقعت الألمان في خطأ فادح، وجعلتهم يؤخرون تعزيزاتهم حتى فات الأوان.
«عملية أفرلورد» وهي الإنزال الحقيقي في نورماندي، الذي استفاد بشكل مباشر من نجاح عملية «فورتيتيود» في تضليل العدو، وقد كانت هذه العمليات ذروة «العبقرية الخداعية» البريطانية، حيث أظهرت كيف يمكن للوهم أن يحسم نتيجة معركة بحجم غزو أوروبا.
يرصد الكتاب تطبيق استراتيجيات الخداع في مختلف مسارح الحرب، بما فيها شمال إفريقيا، حيث استخدمت بريطانيا الخداع في معركة العلمين وغيرها، عبر إيهام رومل بوجود قوات كبيرة في مواقع غير حقيقية، وأوروبا الغربية في العمليات التي سبقت تحرير فرنسا، حيث كانت شبكات الخداع في ذروة تعقيدها، والجبهة الداخلية البريطانية حيث تمت إدارة الرأي العام والمعلومات المتعلقة بالمجهود الحربي بشكل دقيق.
يظهر الكتاب أن الحرب العالمية الثانية تحولت إلى شبكة معقدة من الإشارات المضللة، حيث كان كل تحرك عسكري مصحوباً بحملة تضليل موازية، ويصل الكتاب إلى فكرة جوهرية تتجاوز مجرد توثيق العمليات، وهي أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صارت صناعة لـ«واقع بديل» يُفرض على العدو.
لم تخدع بريطانيا ألمانيا فقط عبر الأكاذيب، بل صنعت لها عالماً متكاملاً من الأوهام، جعلها تتخذ قرارات بناء على معلومات زائفة، ما يعني أن العدو كان يهزم قبل أن تبدأ المعركة فعلياً، هذه الفكرة تعيد تعريف الحرب ذاتها، وتظهر أن الانتصار في الصراعات الحديثة يعتمد على القدرة على تشكيل إدراك الخصم، وليس فقط على تدمير قواته.

* أفكار

يعيد الكتاب تعريف الحرب، ويقدم قراءة جديدة لتاريخ القرن العشرين من منظور اقتصاد المعرفة في الميدان العسكري، فالكتاب يطرح أكثر من فكرة، منها أن القوة العسكرية لا تكفي وحدها للحسم، فالتفوق في المعلومات وإدارة إدراك الخصم قد يكون أكثر فعالية من التفوق في العدد والعتاد، كما أن المعلومات سلاح أخطر من السلاح التقليدي، لأنها توجه استخدام السلاح وتحدد متى وأين يستخدم.
يوضح الكتاب أن الحرب الحديثة أصبحت ميداناً لإدارة الإدراك بقدر ما هي مواجهة عسكرية، وأن الخداع كان أحد أهم أسلحة النصر البريطاني في القرن العشرين، ويظل الكتاب شهادة على عبقرية تنظيمية قل نظيرها، وتذكيراً بأن الانتصار في المعارك الكبرى لا يحسم بالقوة المادية وحدها، بل بالقدرة على تشكيل ما يراه العدو وما يعتقده.


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.