ينطلق كتاب نعوم تشومسكي «السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للبروباجندا» (ترجمة أميمة عبد اللطيف) من سؤال محوري: لماذا تفشل وسائل الإعلام في أداء دورها كرقيب على السلطة، رغم أنها حرة ومستقلة كما يفترض؟الإعلام ليس أداة لنشر المعلومات بقدر ما هو آلية لصناعة الإجماع، وتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح النخب الحاكمة، وذلك من خلال تقنيات دعائية متطورة لا تمارس بالقمع المباشر، بل بالتضليل والتشويش والإغفال الانتقائي، ويقدم الكتاب قراءة نقدية لاذعة للديمقراطية الليبرالية، ويكشف التناقض بين خطابها النظري وممارساتها الواقعية.يعتمد تشومسكي على أسلوب يرصد التناقضات الصارخة في التغطية الإعلامية بين ما يقال عن أعداء الولايات المتحدة وما يقال عن حلفائها، حتى عندما ترتكب الأفعال نفسها، ويبرز تناقضاً جوهرياً، ففي الوقت الذي تقدم فيه وسائل الإعلام نفسها كحارس للحقيقة، فإنها تعمل كجهاز دعائي يمارس الرقابة غير المباشرة من خلال انتقاء الأخبار وتأطيرها وتجاهل البدائل.صناعةوسائل الإعلام في المجتمعات الغربية هي أداة دعائية فعالة، تعمل على «تصنيع الإجماع» لصالح النخب السياسية والاقتصادية، وذلك عبر آليات غير عنيفة مثل التركيز على قصص معينة وتجاهل أخرى، وتأطير الأخبار ضمن رؤية أخلاقية ثنائية (نحن الخير وهم الشر) وإقصاء الأصوات الناقدة والبدائل المطروحة خارج النطاق المسموح به.يستعرض تشومسكي الجذور التاريخية للدعاية الحكومية الحديثة، انطلاقاً من إدارة الرئيس ويلسون (1916) الذي أطلق أول عملية دعائية كبرى لإقناع الشعب الأمريكي المسالم بدخول الحرب العالمية الأولى، ثم ينتقل إلى تجربة رجال الأعمال في مواجهة «الانحراف الديمقراطي» المتمثل في تنامي الحركة العمالية في الثلاثينيات، حيث طوروا أساليب دعائية متطورة لتحويل الرأي العام ضد العمال المضربين بتقديمهم ك«مخربين للهوية الأمريكية».يفند تشومسكي الآليات العملية التي تعمل بها الدعاية عبر دراسات حالة مقارنة، أبرزها مقارنة صارخة بين قضيتين، يقارن بين التغطية الإعلامية الضخمة لمذكرات السجين الكوبي أرماندو فالاديرز، التي اتهمت نظام كاسترو بالتعذيب، والتي حولها الإعلام إلى حدث دولي، حتى إن ريجان كرم صاحبها وعينه في لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.في المقابل، يشير إلى تقرير موقع من 43 محامياً في السلفادور يوثق بالتفصيل جرائم تعذيب ارتكبها نظام مدعوم أمريكياً، وقد تم تجاهله تماماً من قبل الصحافة الوطنية. هذا التباين يكشف عن ازدواجية المعايير القائمة على المصلحة السياسية، حيث تضخم جرائم الأعداء وتهمش جرائم الحلفاء.يستخدم تشومسكي استعارة «الصحفي القادم من المريخ» كأداة نقدية وهو صحفي محايد تماماً لا يعرف شيئاً عن التقسيمات السياسية، وسيلاحظ بدهشة كيف تصنف الأفعال المتطابقة بشكل مختلف تماماً بناء على هوية الفاعل، فعمليات القتل والتفجير التي تنفذها الولايات المتحدة أو حلفاؤها لا تُسمى إرهاباً، بل تكافأ وتدعم.يكشف هذا التناقض أن تعريف «الإرهاب» ليس موضوعياً بل هو سياسي، وأن الحرب على الإرهاب ليست حرباً على فعل مجرد، بل على خصوم جيوسياسيين. ويشير إلى وجود مؤشرات على تغير في الاتجاهات العامة، مثل ازدياد «المخاوف المرضية» ضد استخدام القوة العسكرية بين النساء في أمريكا منذ الستينيات وحتى التسعينيات، حيث تضاعفت الفجوة بين الجنسين لتصل إلى 25%.


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.