الدولة أكثر استعداداً لامتصاص الصدمات
أداء القطاع الخاص فوق مستوى 50 نقطة
فائض مالي وديْن حكومي منخفض
قطاع مصرفي يتمتع بسيولة مرتفعة
يواصل الاقتصاد الوطني الإماراتي، إظهار مستويات عالية من المرونة بفضل اتساع قاعدته غير النفطية ومتانة أوضاعه المالية والمصرفية. وذلك رغم تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وفي الوقت نفسه، تبرز موانئ الفجيرة والساحل الشرقي، كخيار استراتيجي يعزز مكانة الدولة بوصفها مركزاً إقليمياً للتجارة والخدمات اللوجستية في ظل إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية.
وأوضحت دراسة لوزارة الاقتصاد والسياحة بعنوان (توقعات أداء الاقتصاد الإماراتي لـ2026 وفرص التعافي في ضوء مستجدات الربع الأول)، أنه رغم الاضطرابات التي أعادت رسم خريطة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، تدخل دولة الإمارات مرحلة جديدة من الدورة الاقتصادية وهي أكثر تنوعاً واستعداداً لامتصاص الصدمات مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
فبينما دفعت التطورات الجيوسياسية وتراجع إنتاج النفط، «المصرف المركزي» إلى خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.7% خلال عام 2026، لا تشير المؤشرات إلى تراجع في قوة الاقتصاد بقدر ما تعكس تأثيراً مؤقتاً لعوامل خارجية على قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتبرز قراءة بيانات عام 2025، حجم التحول الذي شهده الاقتصاد الوطني خلال العقد الأخير. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.2%، مدعوماً بارتفاع النشاط غير النفطي بنسبة 6.8%، فيما ارتفعت مساهمة الاقتصاد غير النفطي إلى 81.7% من الناتج المحلي الإجمالي الإسمي، وهو مستوى يعكس انتقال الدولة من اقتصاد يعتمد على النفط إلى نموذج تقوده قطاعات الخدمات والصناعة والتجارة والاستثمار.

أنشطة متنوعة

وأشارت الدراسة، إلى أن التحول لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يمتد إلى طبيعة النمو نفسه. فالبناء والخدمات المالية والتأمين والعقار والنقل والتخزين والتصنيع أصبحت المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، بينما بات النفط يوفر الاستقرار المالي أكثر من كونه المصدر الوحيد للنمو.
ورغم أن التوترات الإقليمية أثرت في إنتاج النفط والغاز، وأدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإعادة توجيه بعض خطوط التجارة العالمية، فإن اقتصاد دولة الإمارات، حافظ على نشاط القطاع الخاص، مع استمرار مؤشر مديري المشتريات فوق مستوى الخمسين نقطة، بما يؤكد بقاء الاقتصاد في منطقة التوسع، وإن بوتيرة أكثر اعتدالاً.
وتبدو هذه المرحلة أقرب إلى اختبار لمرونة الاقتصاد منها إلى بداية دورة تباطؤ طويلة. فالإمارات تدخل الأزمة بفائض مالي، وديْن حكومي منخفض، وقطاع مصرفي يتمتع بسيولة مرتفعة وأصول تتجاوز 5.5 تريليون درهم، وهي عناصر تمنح صناع القرار مساحة واسعة لتوجيه الدعم إلى القطاعات الأكثر تأثراً دون المساس بالاستدامة المالية.
وفي المقابل، تبرز التجارة الخارجية باعتبارها أحد أهم مصادر القوة. فقد تجاوزت التجارة غير النفطية 3.5 تريليون درهم خلال عام 2025، مدفوعة بنمو الصادرات وإعادة التصدير، ما يعزز مكانة الدولة مركزاً عالمياً لحركة السلع والخدمات. لكن المرحلة المقبلة ستتطلب التركيز بصورة أكبر على رفع القيمة المضافة المحلية، وزيادة مساهمة الصناعات التحويلية والصادرات ذات المحتوى الوطني، بدلاً من الاكتفاء بنمو أحجام التجارة.

موانئ الشرق

وفي خضم التحولات الجيوسياسية، أكدت الدراسة أهمية موانئ الفجيرة وخورفكان والساحل الشرقي للإمارات كأحد أكبر المستفيدين من إعادة تشكيل طرق التجارة الدولية. فالموقع الاستراتيجي للفجيرة على بحر العرب، خارج مضيق هرمز، يمنحها ميزة يصعب تكرارها في المنطقة، إذ توفر منفذاً بحرياً آمناً يضمن استمرار تدفقات التجارة والطاقة حتى في أوقات التوتر.
ولم يعد دور الفجيرة يقتصر على تخزين النفط أو تزويد السفن بالوقود، بل تتزايد أهميتها كمركز متكامل للخدمات اللوجستية، والتخزين، وإدارة سلاسل الإمداد، والصناعات المرتبطة بالتجارة العالمية. ومع استمرار الاستثمار في الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل، يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية تربط أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا، وتوفر للشركات العالمية مسارات أكثر مرونة وأقل تعرضاً للمخاطر.
ويعزز هذا التوجه التكامل المتنامي بين موانئ الفجيرة وموانئ دبي وأبوظبي والشارقة، بما يخلق شبكة لوجستية متعددة المنافذ قادرة على التعامل مع المتغيرات الجيوسياسية دون تعطيل حركة التجارة، وهو ما يمنح الإمارات أفضلية تنافسية في وقت تعيد فيه الشركات العالمية تقييم سلاسل الإمداد والبحث عن مراكز أكثر استقراراً.

أسواق جديدة

وتتزامن هذه المزايا مع توسع شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي تفتح أسواقاً جديدة أمام الصادرات الإماراتية، وتدعم جذب الاستثمارات الأجنبية، وتمنح الشركات العاملة في الدولة وصولاً أوسع إلى الأسواق العالمية.
وعلى المدى المتوسط، لن يقاس نجاح الاقتصاد الإماراتي بسرعة عودة النمو المرتفع فحسب، بل بقدرته على تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لتعزيز الإنتاجية، وتسريع التصنيع المتقدم، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، وربط الحوافز الاقتصادية بالابتكار والتصدير ورفع المحتوى المحلي.
وتشير التوقعات، بعودة النمو إلى 9.8% في عام 2027 إلى أن التباطؤ الحالي يُنظر إليه باعتباره مرحلة انتقالية أكثر من كونه تحولاً هيكلياً. وإذا استمرت الدولة في الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز مرونة التجارة، وتطوير مراكزها اللوجستية، فإنها ستكون في موقع يسمح لها بالاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها.
وفي وقت تتعامل فيه اقتصادات عديدة مع تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، تبدو الإمارات أمام فرصة لتعزيز مكانتها باعتبارها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، فيما قد يصبح الساحل الشرقي، وفي مقدمته الفجيرة، أحد أهم المنافذ التجارية البديلة في المنطقة، ليس فقط للإمارات، بل لأسواق الخليج والشرق الأوسط بأكملها.


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.