للخط العربي نفحة جمالية متجددة كلما التقى المداد مع البياض، وكلما اضطرب الحرف شوقاً إلى النور الذي الذي ولد في ليلة شريفة، فأعلن للوجود أن الجمال نبوة، وأن الحرف حين يسكنه الخشوع يغدو صلاة بصرية، تُحلّق بالروح في دورب عطرة من سيرة نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
    تعد مناسبة المولد النبوي الشريف، واحدة من أكثر اللحظات حضوراً في الذاكرة الروحية والثقافية، لحظة تتجاوز حدود الاحتفال الزمني، لتستحضر قيم النور والرحمة والهداية والجمال، في مولد خير المرسلين محمد النبي العربي الأمين، الذي جاء برسالة التوحيد والمحبة والسلام، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
    والخط العربي من بين الفنون التي استطاعت أن تجعل من هذه المعاني السامية لغة بصرية راقية، بما يمتلكه هذا الفن من قدرة استثنائية على الجمع بين قداسة الكلمة وجمال التكوين، وقد برع العديد من الخطاطين في توظيف مختلف الأقلام والخطوط على اختلافها، لتكون حاملاً للقيم والمعاني السامية في الرسالة المحمدية.

    *تكوين

    في هذه اللوحة التي بين أيدينا اليوم، والتي خطتها أنامل الخطاط أحمد إسكندراني، بقلم رشيق ديواني، وتحمل عبارة الصلاة والتسليم على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، محولاً الحروف إلى فضاء بصري ترتقي فيه الحروف، لتصبح بناء تشكيلياً يحمل دلالاته الروحية والجمالية، تنطلق فيها الحروف من مركز روحي واحد، ثم تتسع على هيئة موجات وانحناءات في حركة صاعدة توحي بالسمو والارتقاء، تتشابك الحروف وتتعانق، فتتشكل منها كتلة بصرية متماسكة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بإيقاع ساحر يمنح العين فرصة للتنقل بين تفاصيلها ومساراتها.
    الخطاط أحمد إسكندراني
    وقد برع إسكندراني في اختيار قلم الديواني لتنفيذ العمل، حيث إن هذا الخط شديد الملاءمة للموضوع والمناسبة، بما يتميز به من ليونة وانحناءات وانسيابية وتداخل بين الحروف، مانحاً الفنان مساحة واسعة للتعبير عن الرقة والاحتفاء والحركة، وفي هذه اللوحة تحديداً، تتحول خصائص الديواني الى عناصر تشكيلية غاية في الجمال، فامتدادات بعض الحروف تصعد إلى أعلى، بينما تنحني أخرى إلى الداخل أو تنساب إلى الأطراف، في تكوين احتفالي مترف الجمال والعذوبة.
    ويلاحظ المتأمل للتكوين العام، أن يد الخطاط الرشيقة اختارت أن تتحرك مع عين المتلقي مع الكتلة الحروفية في خطوط طويلة تمتد من أعلى اللوحة وتنساب بخفة وليونة، تحاكي انسكاب الماء العذب الذي يروي ظمأ الروح، وكأن الحروف لا تستقر في مكان واحد، وهذه الحركة يمكن قراءتها رمزياً في سياق المولد النبوي الشريف، في إحالة بصرية إلى النور والهداية اللذين نزلا من السماء على قلب النبي الكريم، وهنا يستحضر العمل الأثر المعنوي للرسالة التي جاءت لتضيء الطريق وتؤكد قيم الرحمة والأخلاق والمحبة.

    * تأمل

    تتجلى خصوصية الخط العربي حين يبرع الخطاط في تحويله إلى فن تشكيلي، ويجعل عين المتلقي تتذوق النص بصرياً حتى قبل أن يفكك كل تفاصيله، وحين يرتبط الحرف بمناسبة المولد النبوي الشريف، فإنه يكتسب طبقة إضافية من الدلالة، لأن الكلمة هنا تصبح حاملة للذاكرة والمحبة والاحتفاء، ويصبح النص صورة تستدعي الحضور الوجداني والتأمل في السيرة النبوية العطرة.
    يحسب للفنان استخدامه للألوان المتعددة في التكوين، والتي يمكن قراءتها كإشارات إلى أن الاحتفاء بالمولد النبوي، مناسبة يعيش معها المتلقي تجربة وجدانية متعددة الطبقات، تتجاور ضمن نظام بصري يوازن بين القوة والهدوء، جاعلاً من الحرف احتفالاً، ومن الكلمة صورة ومساحة لسمو الروح، وفي مناسبة المولد النبوي الشريف، يمكن النظر إلى هذا الجمال كطريق لاستحضار المعنى، فكما تحمل الكلمات رسالة، تستطيع الحروف بأشكالها وإيقاعاتها أن تحمل شعوراً كاملاً، وأن تمنح المتلقي لحظة من السكينة والتأمل أمام سيرة خاتم النبيين.


    المصدر: جريدة الخليج

    شاركها.

    التعليقات مغلقة.