يضرب معرض أبوظبي للكتاب الذي تنطلق دورته 35 اليوم، موعداً ثقافياً متجدداً، جامعاً بين أروقته نخبة الكتاب وأحدث الإصدرات الفكرية، التي تغدو بمثابة نافذة يطل منها الكاتب على القارئ والعالم، ومنصة ثقافية تفتح المجال أمام التجارب والأصوات الجديدة، وتعزز حضور القراءة والكتاب في المجتمع، في مساحة فكرية تصنع الحوار وتؤسس لتبادل الأفكار وبناء جسور التواصل بين الثقافات.
في هذا الإطار، استطلعت «الخليج» آراء مجموعة من المثقفين والأدباء، حول انطلاق هذه الدورة وما تحمله هذه التظاهرة الثقافية من إطلالات متجددة على آفاق الفكر والإبداع.
أكد الروائي والشاعر والإعلامي الإماراتي علي أبو الريش، أن المعرض واجهة ثقافية واسعة الظلال، تحمل على عاتقها مسؤولية الهم الثقافي الذي يشغل بال كل مسؤول وكل مثقف، في دولة حققت إنجازات مهمة في مجالات مختلفة، مؤكداً أن الثقافة هي العمود الفقري الذي يسند كافة الإنجازات.
وأضاف: «إن الحياة منطقة للوصول وليست مكاناً للتوقف، والإنسان ما دام يتنفس فلا بد أن يفكر في التقدم إلى الأمام، وإلا فما جدوى القراءة إذا لم تكن هي الطاقة التي تحرك عربة الحياة، والمعرض في حد ذاته كتاب عملاق مفتوح على المدى، ومن يحضر المعرض لا يقرأ فقط، بل يرى ويسمع ويتذوق، ويمسك بوردة الكتابة من طرفها الغض، لكي تستمر الابتسامة زاهية معطرة بالفرح».
وبين أبوالريش أن المعرض بمثابة سماء مفتوحة على الحياة، وله دور مهم في إضاءة النجوم لتستمر الحياة مشعة بكلمة اقرأ، مضيفاً أن «أهم ما يميز المعرض، وكل معرض، استمراره، لأن في الاستدامة حقيقة، وهي أن الوعي مستمر».
وأوضح أبوالريش في حديثه عن التواصل بين الثقافات: «الكتاب خير وسيلة للالتقاء مع الآخر، حيث الكلمة مفتاح النافذة، وهي الفضاء الأوسع الذي منه تأتي السحابة الممطرة التي تغذي الوجدان وتمنع عنه التصحر وانتشار آفة الجفاف الثقافي وصواريخ الكراهية».
وأضاف: «نحن في معرض الكتاب نشهد ذلك الامتداد نحو المدى العالمي، حاملاً معه أشواق وطن حمل على عاتقه مسؤولية الانتماء إلى الآخر، دون تضاريس ثقافية وعرة، ودون أحلام مشوبة بالكوابيس وكراهية الآخر».
ووجه رسالة إلى الشباب قائلاً: «أقول لنفسي وللشباب: الكلمة أمانة ومسؤولية، ومن لديه همّ الكتابة لن يحقق المستوى المطلوب في البناء السردي ما لم يعِ دوره كحامل شعلة الضوء كي يذهب الظلام، وترتفع هامة شجرة القيمة الإبداعية، فالعمل الثقافي لا يحتمل أنصاف الحلول، ولا يقبل الإبداع الحقيقي أن يكون سلعة، بل هو قيمة لها جذرها في الأرض وفرعها في السماء».
كما شدّد أبو الريش على أن المعرض يعد فرصة لقراءة الواقع الثقافي، كما أنه فتح من فتوحات الوعي باتجاه الكلمة، وهي كلمة تحمل في طياتها مضمون التلاقي بين القارئ والكتاب، والمعرض عربة تحمل في أحشائها الدر، وكل زائر يختار كتاباً يمنحه فرصة في الاتحاد مع النجوم في السماء، ومنها يكون قد أنجز مشروعه القيمي والأخلاقي، ومنهما تبلغ السعادة الحقيقية.
تدفق
بدورها بينت شيخة الجابري، نائبة رئيس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، أن المعرض، يعتبر أحد أهم المعارض على المستويين الخليجي والإقليمي، ومنصة مهمة للعارضين الذين يقدمون ما لديهم من منتج أدبي وثقافي وفكري على مدى أسبوع كامل في العاصمة أبوظبي.
وأكدت على أن المعرض يمثل فرصة مهمة جداً للكاتب الإماراتي، إذ يمكن ملاحظة أن هناك تدفقاً في النشر من قبل الكتاب والأدباء الإماراتيين في كل دورة.
وأشارت شيخة الجابري، إلى أن المعرض يتيح لهم مساحة واسعة من الخيارات، سواء في طريقة العرض عن طريق دور النشر، أو الاحتفاء بهم من خلال حفلات التوقيع التي تقام على هامش المعرض، إضافة إلى إتاحة الفرصة لبعضهم للمشاركة في الندوات والمحاضرات والبرنامج الثقافي الذي ينظم خلال أيام المعرض.
وقالت إن «معرض أبوظبي للكتاب يعد إحدى أهم النوافذ للكاتب الإماراتي لكي يطل منها على نفسه في البداية، وأيضاً على المجتمع وعلى العالم وعلى المعرفة بصفة عامة».
ولفتت إلى أن «الحركة الأدبية في الإمارات لا تتوقف حقيقة»، وتشهد تطوراً لافتاً من حيث النشر والموضوعات المطروحة، ومن حيث تنوع وتعدد التجارب والمواهب التي تظهر على الساحة بين فترة وأخرى، وتلك المواهب تجد تشجيعاً مناسباً من خلال حضورها في المعارض.
وكشفت الجابري عن وجود تحديات تتعلق بالنشر والتوزيع وارتفاع أسعار الطباعة لدى بعض دور النشر التي تشارك في المعارض، إلى جانب الظروف الاقتصادية حول العالم، موضحة أن بعض المواهب الجديدة يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسات الرسمية، ومنها وزارة الثقافة واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات وغيرها من المؤسسات التي تتيح الفرصة للكاتب الموهوب الجديد للنشر، في حال حصول مؤلفه على تقييم مناسب واستحقاقه النشر من حيث الموضوع والفكرة التي يطرحها وتقديمه قيمة مضافة في مجال النشر.
وأوضحت: «رغم هذه المعابر التي تواجه الكتّاب اليوم، سواء الكاتب الجديد أو الكتّاب السابقين من الجيل الأول، فإن الكاتب الإماراتي أو المبدع الإماراتي بصفة عامة حاضر ولافت، وأبناء الإمارات حققوا إنجازات طيبة في العديد من الجوائز، سواء على هامش المعارض أو خارجها».
حراك فكري
ومن جانبه أوضح محمد عبدالله نورالدين، مدير دار نبطي للنشر، أن المعرض يتميز من عدة أوجه، منها توفير بيئة استثنائية تسخر أقصى درجات الراحة للزوار والعارضين على حد سواء، إلى جانب تطوير برنامج غني يزخر بالفعاليات النوعية والجلسات الفكرية الرفيعة، كما أن التنظيم الجيد والمحترف والخدمات اللوجستية تجعل من زيارته تجربة ثقافية ممتعة تعزز الشغف بالمعرفة.
وبحسب نور الدين فإن «أبوظبي للكتاب» يمثل «المحرك الأساسي للحراك الفكري المستدام»، فهو لا يقتصر على كونه منصة لبيع الكتب خلال أيامه المعدودة، بل يؤسس لشراكات نشر جديدة، ويثري العقول من خلال تحفيز الأجيال الناشئة على الاستمرار في القراءة والبحث والتأليف طوال العام. فالمشاركات الدولية تخلق «بؤرة لتلاقح الأفكار وتبادل التجارب»، بما يعزز مفاهيم التسامح وحوار الحضارات لدى الزوار، وأشار إلى أن هذا التنوع الثقافي يسهم في تمكين الجمهور من الاكتشاف والاطلاع العالمي، مع تعميق اعتزازهم بآدابهم المحلية، وتأكيد الحرص على حفظ الهوية الوطنية وترسيخ جذورها.
وحول مواكبة التحولات الجديدة في النشر والقراءة، يرى نور الدين أن ذلك يتحقق من خلال تبني أفضل التطبيقات الحديثة، والتشجيع المستمر على صناعة النشر الرقمي والصوتي، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي الموجه لخدمة المحتوى العربي وتسهيل وصوله إلى الجمهور، وصولاً إلى تقديم الكتاب بأساليب مبتكرة تجذب الأجيال الجديدة «دون المساس بقيمة الكتاب ورسالته المعرفية».
دور محوري
الشاعر الأدبي سامح أحمد كعوش، أكد بدوره على أن «أبوظبي الدولي للكتاب» يؤدي دوراً محورياً في تجسيد الرؤية الثقافية لأبوظبي وترجمة جهود وتوجيهات قيادتها الرشيدة لتمكين قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية والتأليف والنشر، وهذا ما دأب عليه المعرض طوال الخمسة والثلاثين عاماً الماضية، كنا خلالها على موعد يتجدد كل عام، مع نبض الثقافة الخلاقة ومكانة خير جليس في الزمان وهو الكتاب، ومع اللقاء المتكرر مع كبار الأدباء والشعراء والمفكرين والمبدعين من الإمارات والعالم، فكأنه موعد متفق عليه وارتكاب فعل معرفة عن عمد، وبحب ووفاء شديدين.
ونوه كعوش بأن أهمية المعرض تكمن في تلك المساحات الفكرية التي يتيحها من خلال ندواته الحوارية خاصة، إلى جانب الفرص التي تفرح القلوب وتغني العقول، بإصدارات الكتب الجديدة وحفلات توقيعها، واللقاءات مع الكتّاب بكامل ألق حضورهم وعصارة فكرهم وأقلامهم، في عرس ثقافي واحتفالية معرفية بامتياز، تحت شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، في ظل ما تجسده الإمارات من قيم التسامح والحوار والأخوة الإنسانية.
حدث مجتمعي
من جهتها ترى شيخة المطيري، رئيس قسم الثقافة الوطنية في مركز جمعة الماجد، أن المعرض أصبح بوابة لمحبي الكتب، يجمع بين الكتب القديمة النادرة والحديثة، ويوفر منصات حديثة للباحثين عن المعرفة، في مكان حيوي للتواصل بين المهتمين بقطاع التأليف والنشر، فالمعرض لم يعد مكاناً صامتاً لبيع الكتب، لكنه حدث مجتمعي يحرك كل ساكن، ويحرك دورة حياة الكلمة بأشكال متعددة بين المكتوبة والمسموعة.
بدورها شددت الشاعرة والفنانة التشكيلية ميره القاسم، على أن «أبوظبي للكتاب» هو جزء من الذاكرة الثقافية لأبوظبي، وشاهد على مشروع آمن منذ بدايته بأن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة، وأكدت أن قيمته لا تقاس بعدد الكتب ودور النشر، بقدر ما صنعه عبر السنوات من علاقة بين المدينة والكتاب، حتى أصبح امتداداً لهوية أبوظبي الثقافية.
وترى ميرة القاسم أن المعرض يعيد الكتاب إلى الواجهة في زمن تتنافس فيه أشياء كثيرة على انتباه الإنسان، وأن الإقبال على الكتب والبحث والاختيار يؤكد أن القراءة لم تفقد مكانها، بل تغيرت طرق الوصول إليها، في ما يسهم المعرض في تقريب المسافة بين الإنسان والكتاب، ويزرع لدى الأجيال الجديدة فكرة أن الكتاب باب واسع لفهم الذات والعالم، وأن الكتابة تبدأ في عزلة الكاتب، ثم يأتي المعرض ليكسر هذه العزلة ويضع النص في مواجهة قارئه، في ما يحول تنوع الأصوات والتجارب والثقافات المعرض إلى مساحة حقيقية للحوار بين الأفكار والذاكرات وطرائق النظر إلى العالم.
وأعربت عن تطلعها إلى أن يظل المعرض مساحة للاكتشاف، وأن يمنح حضوراً أوسع للأصوات والتجارب التي تمتلك قيمة حقيقية وتضيف إلى المشهد الثقافي، داعية الزوار إلى الذهاب إليه بفضول القارئ لا بعادة الزائر، والبحث خارج الأسماء والعناوين المعروفة، لأن «الثقافة في جوهرها اكتشاف».
المعرض في سطور
* الدورة 35 من 13 إلى 18 سبتمبر الجاري
* 1500 فعالية ثقافية ومعرفية
* عارضون من 95 دولة
* 7 دول تشارك للمرة الأولى
* ثقافة البلقان ضيف الشرف
* الخليل بن أحمد الفراهيدي الشخصية المحورية
* «دون كيخوته» لميغيل دي ثيربانتس كتاب العالم
المصدر: جريدة الخليج

