المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
أَرِبَ
أَرِبَ الشيء: أي دَرِبَ بِهِ وصارَ فِيهِ ماهِراً بَصِيراً
وقد قالت العرب: رجل أريب، أي ذو عقل وفهم وحسن تدبير، ومفردة «أَرِبَ» تدل في الغالب على الفطنة والحذق، ومنها يجيء «الأريب» بوصفه صاحب معرفة ودراية، وهذه المفردة حافظت على حضورها في اللغة العربية على مدى عصور متعاقبة، إذ نجد هذه المفردة حاضرة في فترة ما قبل الإسلام، في قول قَيْسُ بْنُ الْخَطيمِ:
أَرِبْتُ بِدَفْعِ الحَرْبِ حَتَّى رَأَيْتُها
عَلَى الدَّفْعِ لا تَزْدادُ غَيْرَ تَقارُبِ
ويستمر المعنى والاستخدام لهذه المفردة في العصر الإسلامي، يقول أُسَيْد بنُ حُضَير يُحَدِّثُ النَّبِيَّ عَنْ عَلاقَةِ ابْنِ أُبَيٍّ بِجَماعَتِهِ:
«قَدْ أَرِبَ بِهِمْ فِيها لِمَعْرفَتِهِ بِحاجَتِهِمْ إِلَيْها ليُتَوِّجُوهُ».
ويستمر المعنى أيضاً في عصر الدول والإمارات، وعلى ذلك شاهد من قول ابْنُ مالِكٍ الطّائِيُّ:
لِلعَقْدِ أَوْ لِضَرْبِ أَعْضَاءٍ أَرَبْ
ولاحْتِياجٍ، أَوْ لِدُرْبَةٍ أَرِبْ
وأحضرت المفردة في اللغة العربية حتى العصر الحديث، فيقول مُحَمّدُ بْنُ الطُّلْبَةِ يَرْثِي صَدِيقَهُ:
مُرَزَّأً أَرْيَحِيًّا مَاجِدًا أَرِبًا
لَيْثًا هِزَبْرًا بِنَصْرِ اللهِ مَوْعُودا
وَجِمَ
وَجَمَ (بفَتْحِ الجيمِ) فلانٌ يَجِمُ (بكَسْرِ الجيمِ) وَجْمًا، ووُجومًا، ووَجْمَةً: سَكَتَ عَلى غَيْظٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ فَزَعٍ، أَوْ كآبَةٍ. فَهُوَ واجِمٌ، (ج) وُجومٌ، وهِيَ بِتاءٍ، وهُوَ وَجِمٌ، وهِيَ بِتاءٍ،وهي كلمة من لغتنا الجميلة تختصر حالة نفسية كاملة في لفظة واحدة.
حضر اللفظ في عصر ما قبل الإسلام، وعلى ذلك شاهد من قول المُرَقِّشُ الأَصْغَرُ يُبَيِّنُ صِفاتِ الصَّديقِ الحَقِّ:
أَخوكَ الّذي إِنْ أَحْوَجَتْكَ مُلِمَّةٌ
مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَبْرَحْ لَها الدَّهْرَ واجِمًا
ولَيْسَ أَخوكَ بالَّذي إِنْ تَشَعَّبَتْ
عَلَيْكَ الأُمورُ ظَلَّ يَلحاكَ لائِمًا
وفي العصر الإسلامي، تحضر الكلمة في قول عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوانَ يَسْأَلُ رَجُلًا عَنْ حالِهِ:
«ما لي أَراكَ واجِمًا لا تَنْطِقُ؟».
وفي العصر العباسي تستمر المفردة حاضرة في الاستخدام، فيقول طُرَيحٌ الثَّقَفيُّ يَذْكُرُ حالَ النّاسِ في شَبابِهِمْ ومَشيبِهِمْ:
إِنَّ الشَّبابَ عَمًى لِأَكْثَرِ أَهْلِهِ
وَتَعَرُّضٌ لِمَهالِكٍ وَتَقَرُّعُ
إِنْ تَغْتَبِطْ في اليَوْمِ تُصْبِحْ في غَدٍ
مِمّا خَبا لَكَ واجِمًا تَتَوَجَّعُ
ويستمر المعنى والدلالة حتى العصر الحديث، ومن ذلك شاهد نجده في قول حَيْدر الحِلّيُّ يُهَنِّئُ الحاجَّ مُحَمَّدَ صالِحٍ حينَ قَدِمَ مِنَ الحَجِّ أَخوهُ عَبْدُ الكَريمِ ووَلَدُهُ مُحَمَّدُ الأَمينِ:
آلَ بَيْتِ المُصْطَفى حَيَّتْكُمُ
غادَةٌ تَجْلو لَكُمْ وَجْهًا وَسيمَا
أَقْبَلَتْ زَهْوًا تُهَنِّيكُمْ بِما
زادَ مَنْ يَحْسُدُ عَلْياكُمْ وُجومَا
تَوَانَى
يقال تَوَانَى فُلانٌ في الأَمْرِ: ضَعُفَ وفَتَرَ وقَصَّرَ، وتراخى عن الأمر بعد نشاط، ويقال: ونى في عمله، أي تقاعس أو أصابه الفتور. وهي من الكلمات التي كانت تمنح العربية القديمة دقة لافتة في وصف درجات التعب والضعف.
وكان لهذه المفردة الجميلة حضور في عصر ما قبل الإسلام، وعلى ذلك شاهد من قول قالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ:
وما كُلُّ ما يَحْوي الفَتى مِنْ تِلادِهِ
بِحَزْمٍ ولا ما فاتَهُ لِتَوانِ
فأَجْمِلْ إِذا طالَبْتَ أَمْرًا فإِنَّهُ
سَيَكْفيكَهُ جِدَّانِ يَصْطَرِعانِ
كما يستمر استخدام المفردة لذات المعنى في العصر الإسلامي فيقول أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ يُحَذِّرُ مِنَ العَجْزِ والفتورِ:
«وأَحْوَجُ النَّاسِ إِلى الغِنى مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ إِلَّا الغِنى، وكَذلِكَ الـمُلوكُ، وإِنَّ التَّغْريرَ مِفْتاحُ البُؤْسِ، ومِنَ التَّواني والعَجْزِ نُتِجَتِ الفاقَةُ».
وتستمر المفردة في حضورها اللغوي في العصر العباسي، ومن ذلك شاهد نجده في قول ابْنُ الـمُقَفَّعِ يُخاطِبُ النَّفْسَ:
«أَقْبِلي بِقُوَّتِكِ وسَعْيِكِ وما تَمْلِكينَ؛ عَلى تَقْديمِ الخَيْرِ والأَجْرِ ما اسْتَطَعْتِ، وإِيَّاكِ والتَّسْويفَ والتَّوانيَ».
وأيضاً نجد في عصر الدول والإمارات، حضوراً لهذه المفردة في المشهد اللغوي، فيقول العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ ُبَيِّنُ حُكْمَ قَتْلِ الكَلْبِ:
«ولا يُتَوانى في قَتْلِ الكَلْبِ العَقورِ؛ لعِظَمِ شَرِّهِ».
وتستمر الكلمة بذات المعنى والدلالة حاضرة حتى في العصر الحديث، وعلى ذلك نجد شاهدا من قول مَحْمود مَقْديش يَتَحَدَّثُ عَنْ أَهَمِّـيَّةِ عِلْمِ التَّأْريخِ:
«فيهِ لِلفُضَلاءِ النُّبَلاءِ تَذْكِرَةٌ… وتَنْشيطٌ لِلمُتَواني؛ ليَتَلافى ما بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فإِنَّهُ نَزْرٌ قَليلٌ».
المصدر: جريدة الخليج

