أبوظبي في 2 نوفمبر/ وام / أكد محسن العوضي، مدير إدارة المهمات في وكالة الإمارات للفضاء، أن مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات تمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في مستقبل قطاع الفضاء الوطني، وتسهم في تطوير الكفاءات الإماراتية وتعزيز الصناعات الفضائية وفتح فرص اقتصادية جديدة، مشيراً إلى أن المهمة حققت تقدماً نوعياً في مراحل تطويرها، مع استعدادها لإطلاق المركبة خلال الربع الأول من عام 2028.
وقال العوضي، في تصريح لوكالة أنباء الإمارات “وام”، إن الكشف عن مركبة الهبوط التي جرى تصميمها وتطويرها وتجميعها واختبارها بالكامل في دولة الإمارات خلال أقل من عامين، يمثل أحد أبرز الإنجازات الهندسية للمهمة، ويعكس تطور القدرات التقنية الوطنية في مجال استكشاف الفضاء العميق.
وأوضح أن المركبة اجتازت الاختبارات الفنية والبيئية اللازمة للتحقق من جاهزيتها للطيران، وستنفذ إحدى أكثر العمليات تعقيداً في المهمة، من خلال الانفصال عن “المستكشف محمد بن راشد” والاقتراب من سطح الكويكب “جوستيشيا 269″، الوجهة السابعة والأخيرة للمهمة، لالتقاط صور تفصيلية تسهم في دراسة خصائصه.
وأضاف أن معهد الابتكار التكنولوجي أدى دوراً رئيسياً في تطوير مركبة الهبوط، بمشاركة مؤسسات بحثية وشركات وطنية، لافتاً إلى أن المركبة تستعد للانتقال إلى مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء بجامعة كولورادو بولدر في الولايات المتحدة، لدمجها مع المستكشف واستكمال مراحل الاختبارات والاستعداد للإطلاق.
وأشار إلى أن المهمة انتقلت من مراحل التصميم والمراجعات الهندسية إلى مرحلة التجميع والتكامل والاختبار، بعد استكمال المراجعة الحرجة لتصميم المركبة الفضائية في عام 2025 واجتياز مراجعة تكامل الأنظمة في سبتمبر من العام نفسه.
وأوضح أن الفرق تعمل حالياً على دمج الأنظمة الفرعية للمستكشف واختبارها، بالتوازي مع الاستعدادات لدمج مركبة الهبوط، على أن تشمل المراحل المقبلة استكمال الاختبارات الفنية والبيئية للمركبة المتكاملة، وإجراء مراجعات الجاهزية النهائية، ثم نقلها إلى موقع الإطلاق في اليابان.
وأكد أن المهمة تسير وفق الجدول الزمني المحدد، لتكون جاهزة للإطلاق خلال الربع الأول من عام 2028، في رحلة تستغرق ثماني سنوات وتقطع خلالها نحو خمسة مليارات كيلومتر، مشيراً إلى أن المستكشف سيصل إلى أول الكويكبات المستهدفة، “فيسترفالد” – 10253 Westerwald -، في فبراير 2030، قبل مواصلة رحلته إلى بقية الكويكبات.
ولفت إلى أن فرق المهمة قدمت 10 أوراق تقنية خلال المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية 2026، تناولت جوانب من أعمال التطوير والتحديات الهندسية والبحوث المرتبطة بالمهمة.
وقال العوضي إن المهمة تستهدف دراسة أصول الكويكبات الغنية بالمياه ومراحل تطورها، والتعرف إلى خصائصها الفيزيائية والكيميائية وتركيبها المعدني، بما يسهم في فهم المواد الأولية التي شاركت في تكوين النظام الشمسي.
وأضاف أن الكويكبات تحتفظ بمواد وخصائص تعود إلى مليارات السنين، ما يجعلها مصدراً مهماً لفهم المراحل الأولى لنشأة النظام الشمسي وتطوره، موضحاً أن المهمة تسعى إلى الإجابة عن تساؤلات علمية حول الدور المحتمل للكويكبات في نقل المياه والمركبات العضوية إلى الكواكب الصخرية، إلى جانب دراسة مواردها وإمكانات الاستفادة منها مستقبلاً.
وأشار إلى أن استكشاف سبعة كويكبات ضمن رحلة واحدة يتيح مقارنة خصائصها وتركيبها وأصولها، بما يساعد العلماء على بناء فهم أشمل للعمليات التي أسهمت في تشكل هذه الأجرام وتطورها.
وأوضح أن الكويكب “جوستيشيا 269″، الوجهة الأخيرة للمهمة، يكتسب أهمية علمية خاصة بسبب خصائصه الطيفية التي تشير إلى احتمال نشأته في حزام كايبر عند الأطراف الخارجية للنظام الشمسي، قبل انتقاله إلى موقعه الحالي في حزام الكويكبات الرئيسي، ما قد يوفر أدلة جديدة حول حركة الأجرام السماوية وانتقال المياه والمواد العضوية عبر النظام الشمسي في مراحله المبكرة.
وحول التحديات الهندسية، قال العوضي إن المهمة تعد الأكثر تعقيداً في تاريخ برنامج الفضاء الإماراتي، نظراً إلى المسافة التي ستقطعها المركبة، وتعدد الكويكبات المستهدفة، وتنوع الظروف التي ستواجهها خلال الرحلة.
وأوضح أن أبرز التحديات تشمل التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة خلال المرور بالقرب من كوكب الزهرة والرحلة إلى ما بعد مدار المريخ، إلى جانب متطلبات الملاحة الدقيقة لتنفيذ مناورات الاستفادة من جاذبية الزهرة والأرض والمريخ، والتحليق بالقرب من كويكبات صغيرة بسرعات عالية.
وأضاف أن إدارة الاتصالات والطاقة تصبح أكثر تعقيداً مع ازدياد المسافة عن الأرض، بسبب تأخر وصول الإشارات وتراجع شدة الإشعاع الشمسي، مشيراً إلى أن المركبة تتضمن أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة والتحكم الحراري، فيما تتمتع مركبة الهبوط بقدرة على تنفيذ عملياتها بصورة ذاتية دون تدخل مباشر من الأرض.
وأكد أن ضيق نافذة الإطلاق، التي لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، يجعل الالتزام بالجدول الزمني عاملاً حاسماً، ولذلك تعتمد فرق المهمة على التخطيط الهندسي الدقيق والاختبارات الشاملة وإدارة المخاطر، بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين.
وأوضح أن “المستكشف محمد بن راشد” يحمل أربعة أجهزة علمية رئيسية، تشمل كاميرا عالية الدقة، وكاميرا حرارية تعمل بالأشعة تحت الحمراء، ومطيافاً للأطوال الموجية المتوسطة، ومطيافاً بالأشعة تحت الحمراء، تعمل بصورة متكاملة لدراسة تضاريس الكويكبات وخصائص أسطحها وتركيبها المعدني والكيميائي، والبحث عن مؤشرات وجود المياه والمركبات العضوية.
وأضاف أن المستكشف سيدرس “جوستيشيا 269” من مداره لمدة تقارب سبعة أشهر، قبل انفصال مركبة الهبوط للاقتراب من سطحه والتقاط صور تفصيلية، لافتاً إلى أن البيانات العلمية التي تجمعها المهمة ستتاح للمجتمع العلمي الدولي لدعم الأبحاث وتعزيز التعاون العلمي.
وأوضح العوضي أن المنظومة الوطنية تضم معهد الابتكار التكنولوجي، ومجمع الشارقة للفضاء والفلك، وجامعة خليفة، وجامعة نيويورك أبوظبي، ومركز محمد بن راشد للفضاء، إلى جانب شركة «HEX20» والمركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
وأشار إلى أن الشركاء الدوليين يشملون مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء بجامعة كولورادو بولدر، ووكالة الفضاء الإيطالية، ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية، ووكالة ناسا، ومجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، بما يدعم تطوير المهمة وتنفيذ عمليات الإطلاق والاستفادة من خدمات شبكة الفضاء العميق.
وقال إن نحو 150 من الكوادر الإماراتية يشاركون في تنفيذ المهمة ضمن فريق وطني موحد يعمل جنباً إلى جنب مع الشركاء الدوليين، مؤكداً أن أهمية هذه الشراكات تتجاوز الاستفادة من الخبرات والخدمات إلى المشاركة الفعلية للمهندسين والعلماء الإماراتيين في التصميم والتطوير والتجميع والاختبار والتشغيل.
وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي والاستراتيجي، أكد العوضي أن المهمة تترجم مستهدفات الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031، من خلال تطوير قطاع فضائي تنافسي ومستدام وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وأوضح أنه تم تخصيص 50% من أعمال المهمة لشركات القطاع الخاص، بما يتيح لها المشاركة في تطوير تقنيات وأنظمة فضائية متقدمة واكتساب خبرات تدعم نموها وتوسعها وقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن المهمة توفر فرصاً نوعية للكفاءات الإماراتية في مجالات تصميم المركبات الفضائية وتطويرها، والملاحة بين الكواكب، وأنظمة الهبوط الذاتي، وإدارة العمليات الفضائية وتحليل البيانات العلمية.
وقال إن دولة الإمارات تبني من خلال المهمة على الخبرات الوطنية التي أرستها مشاريع فضائية سابقة، وفي مقدمتها مسبار الأمل، للانتقال إلى مستوى جديد من التعقيد العلمي والهندسي.
وأكد أن نجاح المهمة لن يقتصر على نتائجها العلمية، بل سيقاس أيضاً بما تتركه من خبرات وكفاءات وتقنيات وشركات أكثر قدرة على المنافسة، وبما تسهم به في نمو الاقتصاد الفضائي الوطني وتعزيز جاهزية الدولة لتنفيذ مهمات فضائية مستقبلية.
المصدر – وكالة أنباء الإمارات

