أوديشا / الهند / الوطن:

تغمر الجدران الخضراء الزمردية الداكنة لقصر «بيلجاديا» أجواء من الفخامة الملكية الهادئة، وكأنها شهدت على امتداد قرون فصولاً متعاقبة من الحكايات والتاريخ. وتزيّن غرفة المعيشة صور مهيبة لأسلاف أسرة «بھانجديو»، في مشهد يوحي بأن نظراتهم لا تزال ترعى أرجاء المكان بوقار خالد.
ويجمع القصر في تصميمه بين أناقة الطراز الجورجي ولمسات معمارية مستوحاة من الفن الروماني، تتجسد في الأعمدة والأقواس والزخارف الدقيقة، لتمنح المكان إحساساً بالفخامة من دون أن تفقده دفء الإقامة وخصوصيتها.
يقع قصر «بيلجاديا» في قلب ولاية أوديشا، إحدى الولايات الغنية ثقافياً في شرق الهند، ويشكّل نموذجاً لافتاً لإحياء الإرث الملكي وإعادة تقديمه بروح معاصرة.
واليوم، وبعد مرور نحو 200 عام على تشييده، جرى ترميم القصر بعناية وتحويله إلى إقامة تراثية لا تكتفي بالحفاظ على الماضي، بل تتجاوز ذلك لتكون مؤسسة حية تلتزم بتمكين المجتمع المحلي وسرد حكاياته الثقافية والتراثية.
وتحت إشراف القائمين عليه، يحتضن القصر برنامجاً حافلاً بالفعاليات والتجارب، يشمل الجولات التراثية التفاعلية، والبرامج الثقافية الشهرية، وإقامات الفنانين، والدورات المعتمدة لتطوير المهارات، ومنتجعات العافية، وتجارب المطبخ الأوديشي المعتمد على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، إلى جانب ورش رقص «تشاو» التقليدي، والجولات في القرى القبلية.
وتستند جميع هذه البرامج إلى السردية الثقافية الغنية لمنطقة مايوربانج، بما يضمن ألا يكتفي الضيوف بمشاهدة التاريخ، بل أن يصبحوا جزءاً من تجربته.
يقع القصر وسط مدينة «باريبادا» التراثية الساحرة في منطقة مايوربانج بولاية أوديشا، وهو أكثر من مجرد مكان للإقامة، إذ يمثل فصلاً مضيئاً من تاريخ «كالينغا» أعيد تقديمه بما يتناسب مع الحاضر.
ويضم القصر 15 غرفة، ويقع على بُعد نحو أربع ساعات من مطاري كولكاتا وبوبانسوار الدوليين، ما يمنح الزوار فرصة نادرة للابتعاد عن صخب المدن والدخول إلى عالم تتلاقى فيه التقاليد والفنون وكرم الضيافة.
إحياء الإرث الملكي
ونجحت الأميرتان أكشيتا ومريناليكا بھانج ديو، المنتميتان إلى الجيل الثامن والأربعين من سلالة «بھانج»، في تحويل قصر «بيلجاديا» إلى فندق بوتيك فاخر يجمع بين التراث والضيافة العصرية.
وتقف في صميم مشروع الإحياء الملكي كل من مريناليكا إم. بھانج ديو وأكشيتا إم. بھانج ديو، حيث ترتبط الشقيقتان ارتباطاً وثيقاً بإرث أسرتهما، وكرّستا جهودهما لصون تاريخ العائلة الملكية «بھانج ديو» وفي الوقت نفسه رسم ملامح مستقبل جديد لهذا الإرث.
وترتكز رؤيتهما على ثلاثة محاور رئيسية، هي دعم الفنون والثقافة المحلية، وإدارة فندق بوتيك ملكي مستدام يقوم على مفهوم الرفاهية الواعية، إلى جانب تبني السياحة البيئية وسيلةً لتعريف الزوار بأفضل ما تقدمه الهند من تجارب ثقافية وتراثية.
كما تسعى إدارة القصر إلى الحفاظ على طابعه الأثري وسحر مقتنياته القديمة، مع دمج وسائل الراحة الحديثة، وتعزيز السياحة المستدامة، وتمكين المجتمعات المحلية.
سياحة مستدامة وتمكين للمجتمع
ما يميز القصر بصورة خاصة هو ارتباطه الحي بالمجتمعات المحيطة به. فمن خلال شراكات فعالة مع تجمعات الحرفيين المحليين، بما في ذلك القرى الشهيرة بصناعة حرف «دوكرا» التقليدية، يسهم القصر في توفير مصادر دخل مستدامة مدعومة بالسياحة البيئية.
ولا يقتصر دور الزوار على مشاهدة الحرف اليدوية، بل تتاح لهم فرصة لقاء الحرفيين والتعرف إلى مراحل الإنتاج، ودعم الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة.
ومن أبرز محطات تجربة القصر متجر «Hasa Atelier»، وهو البوتيك الخاص بالهدايا والحرف اليدوية، والذي يمثل وجهة مميزة لهواة اقتناء الأعمال الفنية ومحبي الثقافة، إذ يحتفي بالحرف التقليدية العريقة من خلال منظور أوديشي عصري ومتجدد.
ويضم المتجر مجموعة منتقاة من المنتجات المصنوعة بعناية، بدءاً من مجوهرات «دوكرا» المصبوبة يدوياً والمتميزة بملمسها الترابي الفريد، وصولاً إلى قواعد الأكواب المنسوجة من عشب «ساباي»، التي تضفي لمسة ريفية أنيقة على تفاصيل الحياة اليومية. ويحمل كل منتج بصمة الحرفي الذي أبدعه.
وبصفتها مؤسسة «Hasa Atelier»، استطاعت الأميرة مريناليكا أن تؤسس مساحة مميزة لتمكين الحرفيين المحليين ودعم نهضة ثقافية متنامية. ومن خلال المتجر ودورها القيادي في مؤسسة مايوربانج، لم تنشئ علامة تجارية فحسب، بل أسست منصة تنتقل عبرها الحكايات إلى جانب المنتجات؛ حكايات عن المهارة والتراث والمجتمع.
وفي حديثها عن المبادرة، قالت الأميرة مريناليكا: «بينما تخصص المؤسسة جزءاً من الإيرادات للمشاريع الاجتماعية والبيئية، فإن هدفنا الأكبر يتمثل في إنشاء روابط مباشرة مع الأسواق. نحن نربط المجتمعات المحلية والحرفيين مباشرة بالمسافرين من دون وسطاء، بحيث تعود الأرباح إلى الأيدي التي صنعت هذه المنتجات بالفعل».
ويقدّم الموقع الإلكتروني للقصر وصفاً يعكس طبيعة التجربة التي يوفرها، مشيراً إلى أن إطلالاته الملهمة تدعو إلى لحظات من التأمل والشاعرية، حيث يمكن للضيوف قضاء أيام هادئة في لعب الكروكيه، والاستمتاع بشاي فترة ما بعد الظهر بالقرب من المسبح الخارجي، أو التنزه وسط بساتين المانجو المنسقة المنتشرة في أرجاء المكان.
وفي ختام حديثها، أكدت الأميرة مريناليكا أن القصر التراثي يشكل وجهة مثالية للزوار القادمين من دولة الإمارات، التي تربطها بالهند علاقات ودية، وتشترك معها في تقدير الفنون والثقافة والسياحة المستدامة. للمزيد من التفاصيل والحجوزات، يمكن زيارة الموقع الإلكتروني لقصر «بيلجاديا».


المصدر: جريدة الوطن

شاركها.

التعليقات مغلقة.