تبدأ شركات كثيرة بفكرة واعدة، لكن المسافة بين امتلاك الفكرة وبناء شركة قادرة على النمو مملوءة بدروس لا تظهر جميعها في خطط الأعمال، فمع كل مرحلة، يعيد رائد الأعمال اختبار افتراضاته، واتخاذ قراراته، والتعلم من نجاحاته وإخفاقاته، لتصبح التجربة نفسها جزءاً من الأدوات التي يبني بها مشروعه، ويحدّد خطوته التالية.
وبمناسبة اليوم العالمي لريادة الأعمال، يقدّم مركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع» مجموعة من هذه الدروس من واقع منظومتها حول ما تعلّمه رحلة تأسيس الشركات فعلياً؛ من رؤية سارة بالحيف النعيمي، المدير التنفيذي لمركز شراع، إلى تجارب أربعة من مؤسسي الشركات الناشئة الذين اختبروا بأنفسهم تحديات الانتقال من الفكرة إلى السوق والنمو. وبين الرؤية والتجربة، تقدم هذه التجارب مجموعة من الدروس العملية لمن يبدأ مشروعه اليوم، أو يبحث عن خطوته التالية.

ابتكار حلول جديدة

تقول سارة النعيمي: «تكمن القيمة الحقيقية لريادة الأعمال في ما تتيحه من إمكانات، بدءاً من ابتكار حلول جديدة ودعم نمو الاقتصاد وتنويعه، وصولاً إلى فتح آفاق جديدة للنمو والاستثمار. ولكن تحويل هذه الإمكانات إلى إنجازات مستدامة يتطلب أكثر من مجرد فكرة واعدة؛ إذ يحتاج رواد الأعمال إلى الشجاعة لاختبار أفكارهم، والقدرة على فهم احتياجات السوق، والانفتاح على بناء العلاقات، واغتنام الفرص التي تدفع شركاتهم إلى الأمام. وبالقدر نفسه، يحتاجون إلى منظومة تمنحهم الثقة والموارد والروابط التي تمكّنهم من مواصلة التقدم. وهذا ما نواصل تعزيزه في «شراع»، من خلال ربط رواد الأعمال بالأسواق ورأس المال والشراكات والفرص التي تساعدهم على تنمية شركاتهم، والمنافسة عالمياً، وصناعة قيمة مستدامة».
وتضيف: «وفي اليوم العالمي لريادة الأعمال، نحتفي برواد الأعمال الذين اختاروا تحويل طموحاتهم إلى خطوات ملموسة، ونجدد التزامنا بترسيخ مكانة الشارقة كوجهة تمنحهم الثقة لبناء شركاتهم، وتنميتها برؤية واضحة، وصناعة أثر مستدام».

النمو يكمن في التفاصيل

نورة السويدي

بالنسبة إلى نورة السويدي، الشريكة المؤسسة لـ«تيل» (Teel)، تتقاطع دروس ريادة الأعمال مع تجربتها في عالم تنسيق الزهور، إذ تقول: «علّمتني تجربتي مع (تيل) أن بناء المشروع يشبه إلى حد كبير بناء تنسيق ناجح؛ قد يرى الناس النتيجة النهائية، لكن ما يصنعها فعلياً هو كثير من التفاصيل والاختيارات والعناية التي سبقتها. وهذا ينطبق على ريادة الأعمال أيضاً؛ فالنمو لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يتراكم مع كل قرار نتخذه، وكل تجربة نتعلم منها، وكل تفصيل نختار أن نمنحه اهتمامنا». وأضافت: «ومع نمو المشروع، نتعلم أيضاً أن ما نجح في مرحلة قد يحتاج إلى أن يتغير في مرحلة أخرى، وأن إعادة النظر في بعض الخيارات أو تعديل المسار ليست تراجعاً، بل جزء من عملية التطور. لذلك، أؤمن بأهمية أن يمنح رائد الأعمال مشروعه الوقت الكافي لينمو، وأن يبقى منتبهاً إلى التفاصيل وقادراً على التعلم والتغيير؛ لأن القيمة الحقيقية لا تُصنع في لحظة، بل تتشكل تدريجياً مع كل خطوة».

مواجهة المشكلة

الطيب حسن
الطيب حسن

 وقال الطيب حسن، شريك مؤسس لمنصة Nafsi الرقمية المتخصصة في الرعاية الطبية النفسية: «علّمتني تجربتي في بناء (نفسي) ألا أتمسك بالفكرة بقدر ما أتمسك بالمشكلة التي أسعى إلى حلها. فالأفكار تتغير، والمنتجات تتطور، وما نعتقد في البداية أنه الحل الأنسب قد يتغير كلما فهمنا المستخدم والسوق بصورة أعمق. لذلك، أرى أن من أهم ما يمكن أن يفعله رائد الأعمال أن يبقى قريباً من الأشخاص الذين يبني من أجلهم، وأن يستمع إليهم باستمرار؛ لأنهم يساعدونه في فهم المشكلة بصورة أفضل، وبالتالي تطوير حل أكثر قدرة على إحداث أثر حقيقي».
وأضاف: «وفي مجال مثل الصحة النفسية، يصبح هذا القرب أكثر أهمية؛ لأننا نتعامل مع احتياج إنساني قبل أن نتعامل مع فرصة تجارية. وقد أكدت لي رحلة (نفسي) أن الطموح والقدرة على التنفيذ مهمان، لكنهما لا يكفيان إذا لم يكن وراء المشروع فهم حقيقي للمشكلة، وإيمان بقيمة حلها. ونصيحتي لرواد الأعمال أن يختاروا تحدياً يعني لهم شيئاً حقيقياً؛ لأن وضوح الغاية لا يساعد على بناء منتج أفضل فقط، بل يمنح المؤسس سبباً للاستمرار عندما تصبح الرحلة أكثر صعوبة».

اتخاذ الخطوة الأولى

وقال أندي كوكسال، العضو المنتدب لشركة إيفولف كارييرز: «ربما لم تكن الفرصة لدخول عالم ريادة الأعمال أفضل مما هي عليه اليوم. فالكثير من العوائق التي كانت تجعل تأسيس مشروع أكثر صعوبة آخذة بالتراجع، وفي الوقت نفسه تتغير المسارات المهنية التقليدية، لتفتح المجال أمام الأفراد لابتكار فرصهم الخاصة، وتحويل التحديات التي يلمسونها من حولهم إلى حلول قابلة للنمو والتأثير».
وأضاف: «لكن توفر الفرص لا يعني أن الطريق سيكون سهلاً. ريادة الأعمال بطبيعتها مملوءة بالتحديات، والفرق اليوم هو أن رائد الأعمال لا يحتاج إلى مواجهتها بمفرده، فمنظومات مثل «شراع» توفر له الدعم والفرص التي تساعده في التقدم، بينما تتيح منصات مثل مهرجان الشارقة لريادة الأعمال (SEF) أن يكون جزءاً من مجتمع يتبادل الخبرات والمعرفة، ويبني العلاقات التي قد تفتح أمامه آفاقاً جديدة».
وتابع: «لذلك، نصيحتي لمن لديه فكرة أو طموح لبدء مشروع ألا ينتظر اكتمال الظروف، أو يبحث عن اللحظة المثالية، أقول له: ابدأ بما هو متاح لك، واختبر فكرتك، وتعلّم من التجربة، وطوّرها مع كل خطوة، فالتحديات جزء من بناء أي مشروع يستحق الاستمرار، وكثيراً ما تتضح الفرص والطريق عندما نبدأ بالفعل، لا عندما ننتظر».

الإفراط في التفكير

نونو فيلوسو
نونو فيلوسو

وقال نونو فيلوسو، مؤسس شركة Dragon Within المتخصصة في التدريب المنهجي التكاملي: «بطبيعتنا نميل البشر التفكير في كل خطوة وتحليلها، فنبحث دائماً عن المنطق الذي يقودنا إلى القرار الصحيح، لكن كثرة التحليل قد تجعلنا أحياناً أكثر تمسكاً بالنماذج والمنهجيات، وكأنها تملك الإجابات، بينما هي في حقيقتها أدوات تساعدنا في التعلّم، وفهم الطريق، لذلك، أقول لكل رائد أعمال جديد: تحرر من التردد، وانطلق».
وأضاف: «بصفتي مؤسس Dragon Within، أعود كثيراً إلى مقولة بروس لي الشهيرة في فيلم «Enter the Dragon»: لا تفكّر، اشعر. فهي تذكّرني بأن ريادة الأعمال لا تسير دائماً وفق ما خططنا له، وأن بعض القرارات تحتاج إلى أن نقرأ الواقع، ونثق بخبرتنا، ونعرف متى تكون اللحظة مناسبة للتحرك».


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.