التجريد الحروفي في فنون الخط العربي يعتبر من المجالات الأساسية في اشتغالات الفنان الإماراتي، وهو يمثل تقاطعاً بين جماليات الخط العربي التقليدي وروح المعاصرة، ومؤخراً تحرر الفنانون الإماراتيون من القواعد الصارمة للخط لصالح إيقاعات بصرية تعبيرية، مستلهمين الحرف كعنصر تجريدي ينبض بالهوية والانتماء، حيث تحول هذا الحرف من أداة لنقل النص المقروء إلى كتل لونية وخطية تثير المشاعر وتنقل الفكرة بصرياً للتعبير عن مفاهيم الوجود والوحدة والوطن.
تأتي تجربة الفنانة والخطاطة الإماراتية وفاء الكندي في هذا الاتجاه، فهي تزاوج بين التشكيل المعاصر وأصالة الحرف العربي، وهو مزج يحاكي جوهر الفنون البصرية، حيث قدمت لوحة فيها الكثير من الإبهار البصري (حريتي أغلى ما أملك)، هنا، نحن أمام فكرة تدمج الحرف مع اللون وتدرجات اللون من خلال تباين لوني مدروس من درجات الأحمر والأبيض لخلق إيقاع وتوازن بصري يجعل الحرف يبدو وكأنه يتحرك داخل اللوحة.
ومن جهة ثانية، فإن تتلمذ الفنانة وفاء الكندي على أيدي خطاطين بارزين قد منحها القدرة على تفكيك الحرف وإعادة صياغته تجريدياً دون تدمير هويته الجمالية، وهنا، هي تنجح في استلهام النصوص والأدبيات الإنسانية، من خلال ما خطته في هذه اللوحة لتكوين تجسيد بصري من تداخل الحروف والألوان، أكثر من الاعتماد على مشهد أو شكل واقعي.
في هذه اللوحة نحن أمام تجربة تنتمي بصرياً إلى الحروفية العربية التجريدية؛ وهي لا تطلب من المشاهد أن “يقرأ” النص فقط، بل أن يرى الحروف كأشكال وحركة وإيقاع، وهو أحد أسرار جاذبية هذه اللوحة.

*التكوين

تنجذب عين المشاهد مباشرة إلى المحور المركزي في اللوحة الذي يبدو شكله عمودياً، حيث تتجمع الكتابة وتتفرع حولها مساحات لونية، يغلب عليها تدرجات الأحمر، وهذا الشكل يمنح العمل إحساساً بالصعود والحركة، بينما تنتشر البقع اللونية إلى الجانبين بصورة أكثر حرية، من الألوان والخطوط البيضاء والرمادية، التي وظفت من قبل الفنانة كعناصر بصرية ترسم مسارات للعين داخل اللوحة.
وفاء الكندي
تدرجات الأحمر تمنح اللوحة طاقة ودفئاً وعاطفة، في ما توازن بقية الألوان من الأبيض والرمادي هذا العمل الشفاف لتخلق أجواء حالمة ورقيقة، وكأننا أمام تباين جميل بين عفوية انتشار اللون وبين انضباط الخط العربي، الذي هو مركز المعنى البصري في العمل، الذي تتمدد فيه الخطوط وتتداخل بطريقة أقرب إلى التجريد الحروفي في حلة فنية بصرية آسرة.
في اللوحة، ثمة حركة واضحة من الأسفل إلى الأعلى، ناتجة عن امتداد الحروف والخطوط، في مفارقة مهمة تميل لصالح الخط الذي يمثل مركز السيطرة والنظام، بينما الألوان تمثل الانفعال والحرية.
هذا العمل ينعكس في عين ووجدان المشاهد بمزيج من الروحانية والشغف والتأمل، كما أن الخط ليس عنصراً منفصلاً عن خلفية اللوحة بل هو في الواقع جزء من بنيتها، خاصة مع تلك المساحات اللونية الفاتحة التي تمنح العمل طاقة تعبيرية متجددة.

*توازن

في اللوحة التي أمامنا نحن أمام فكرة مركزية هي التعبير البصري عن مفهوم التوازن من خلال المزج بين هندسة الحرف والتلقائية أو العفوية، فهناك انسجام بين المتضادات ما بين القاعدة كبنية ونظام لتصميم الحرف، وما بين العفوية والانسيابية حيث يبدو اللون في اللوحة جزءاً من هذا التناغم الذي يضبط التوازن البصري ما بين فكرتي النظام والحرية.

*إضاءة

وفاء الكندي، من أبرز المواهب الإماراتية في مجال الخط، تتمتع بقدرات فنية خلابة جعلتها تخط أجمل اللوحات الفنية بأسلوبها الفني المبتكر، بدأت طريقها في عالم الإبداع والفن بشكل عام منذ نعومة أظفارها حيث ظهرت موهبتها الفريدة مبكراً.


المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.