فضول لفهم آلية عمل الأشياء، قاد صاحبه إلى الذكاء الاصطناعي، ورغبة في عمل تصنع فيه الدقة فارقاً، فتحت أمام آخر أبواب أنظمة الدفع. فيما وجدت شابة في إدارة الابتكار مساحة لتحويل الأفكار حلولاً. وانتقلت أخرى من مقاعد الجامعة إلى المشاركة في بناء طائرة مسيّرة من الصفر.
أربع بدايات مختلفة، لم تتوقف عند حدود الطموح الشخصي وامتدت إلى تجارب تؤكد أن الشباب قادرون على تحمل المسؤولية، واقتحام المجالات الأكثر تقدماً، وتحويل ما تعلموه إلى أثر ملموس. وبما يحققونه اليوم، يصبحون كفاءات حقيقية وصُنّاعاً للأمل، ويفتحون أمام غيرهم مسارات جديدة للثقة بالقدرات والسعي إلى الإنجاز.
في شهر الاحتفاء بالشباب والمرأة، تضيء «الخليج» على تجارب محمد العامري، وعبد الواحد البلوشي، ومُهرة المُلا، ومريم الدهماني، أربع كفاءات وطنية شابة تشق مساراتها في الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع وإدارة الابتكار وهندسة التصنيع، وتقدم صورة حقيقية لما تستطيع الكفاءات الوطنية الشابة تحقيقه حين تقترن المعرفة بالفرصة، والطموح بالعمل.
شغف المعرفة
البداية مع محمد العامري، مهندس الذكاء الاصطناعي في «هالكن» بدولة الإمارات، الذي نشأ مشغوفاً بفهم آلية عمل الأشياء وتوظيف التكنولوجيا لحل تحديات واقعية، فدرس الهندسة الكهربائية وهندسة الاتصالات في الإمارات وإسبانيا، ثم حصل على الماجستير في الهندسة الكهربائية، وزاد اهتمامه بالذكاء الاصطناعي خلال مسيرته الأكاديمية، لا سيما الرؤية الحاسوبية، والأنظمة الذكية، والتقنيات الذاتية التشغيل، والسبب ما تنطوي عليه من تكامل بين البرمجيات والأجهزة والذكاء الاصطناعي.
ويقول العامري الذي يجمع دوره حالياً في «هالكن» بين الذكاء الاصطناعي والهندسة والقيادة التقنية، إنه يعمل على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، لمعالجة تحديات هندسية معقدة، لاسيما في قطاعي الدفاع والطيران، إذ يتعين على الأنظمة العمل بدرجة عالية من الكفاءة والموثوقية في بيئات تشغيلية شديدة المتطلبات.
وأسس مختبرات الشركة للذكاء الاصطناعي، وأسهم في بناء البنية التحتية اللازمة، لتمكين المهندسين من تطوير حلول الذكاء الاصطناعي، ونشرها بصورة آمنة داخل المؤسسة.
تطبيقات عملية
ويوضح العامري الذي يتابع دراسة الدكتوراه في هندسة الحاسوب والمعلومات بجامعة خليفة، أن جانباً رئيسياً من عمله يشمل ضمان انتقال حلول الذكاء الاصطناعي من مرحلة العروض التوضيحية أو النماذج البحثية الأولية إلى تطبيقات عملية قابلة للتوظيف الفعلي ضمن البيئات الهندسية.
ويرى أن بناء نموذج للذكاء الاصطناعي قد يكون الجزء الأقل تعقيداً، بينما يكمن التحدي الحقيقي في جعله موثوقاً وقابلاً للاندماج في منظومة هندسية متكاملة.
وعن أصعب تحدٍّ تقني واجهه، يقول في الأنظمة الهندسية الفعلية، ولا سيما الأنظمة الحرجة للمهام، فإن الدقة وحدها لا تكفي، إذ من الضروري أن نفهم متى يعمل النظام بالكفاءة المطلوبة، ومتى قد يتعرض للإخفاق، وكيف يستجيب عندما يواجه أوضاعاً تختلف عما سبق أن اختبره، ولذلك يولي أهمية للاختبارات والمحاكاة والسيناريوهات الاستثنائية، وفهم حدود النموذج، والعمل الوثيق مع مهندسي الأنظمة والبرمجيات والإلكترونيات.
ويشير إلى أن تجربته جعلته أكثر واقعية، فالسؤال الأساسي لديه: ما المشكلة التي نسعى لحلها؟ وما القيمة الحقيقية والقابلة للقياس التي يمكن لهذه التكنولوجيا أن تحققها؟
ويطمح العامري إلى بناء تقنيات استراتيجية تنطلق من الإمارات، وتحويل الأفكار المحلية إلى منتجات حقيقية، ولا سيما التقنيات التي تحمل قيمة استراتيجية للدولة.
الدقة مسؤولية وقرار
أما عبد الواحد البلوشي، المهندس الأول لأنظمة الدفع في «هالكن»، فقاده شغفه بمجال تُحدث فيه الدقة أثراً مباشراً، إلى التخصص في أنظمة الدفع التي تؤدي دوراً محورياً في تحديد قدرة النظام على بلوغ وجهته وأداء مهمته بكفاءة. ومنذ توليه منصبه عام 2025، تعمقت خبرته في تصميم هذه الأنظمة وتطويرها وتأهيلها.
ويمتد عمله من تصميم أنظمة الدفع وتطويرها وتأهيلها، بما يدعم ما تقدمه هالكن من حلول دفاعية متقدمة، إلى الاختبار والتأهيل، مع ضمان استيفاء المتطلبات الفنية الصارمة وأعلى معايير السلامة.
فرصة لخدمة الوطن
ويقول إن من أبرز محطاته المهنية قيادة تطوير أنظمة الدفع لأحد برامج الشركة الرئيسية، وهي مسؤولية رأى فيها فرصة لخدمة وطنه، وأدرك معها أن عليه تحمل تبعات قراراته الفنية، وهي مسؤولية أتاحت له فرصة الإسهام في خدمة الوطن ورد جزء من جميله، بحسب وصفه.

مُهرة المُلا
ومن الجانب النسائي جمعت مُهرة المُلا، المختصة الأولى في إدارة الابتكار بمجموعة «إيدج»، بين بكالوريوس هندسة الكهرباء والإلكترونيات وماجستير هندسة النظم والإدارة. وبدأت مسيرتها المهنية في البحث والتطوير، إذ اكتسبت خبرة عملية مباشرة في استكشاف التقنيات ومعالجة التحديات المعقدة، وتحويل المفاهيم التقنية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق، قبل أن تنتقل إلى إدارة الابتكار لتوسع أثرها من تطوير تقنية منفردة إلى بناء بيئة حاضنة للأفكار تتيح تطويرها وتحويلها إلى حلول ذات أثر ملموس.
وتقول إن مسيرتها أتاحت لها الجمع بين مختلف هذه الخبرات، وتوظيف خلفيتها في الهندسة والبحث والتطوير والابتكار للإسهام في مسيرة مؤسسة تتبوأ مكانة رائدة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
وتعمل على معالجة الفجوات التكنولوجية عبر الربط بين التحديات والحلول المبتكرة، سواء من الموظفين أو عبر التعاون مع خبراء وشركات ناشئة ومؤسسات أكاديمية.
وتوضح أنه من أبرز المشروعات التي تعتز بها مشروع انطلق من فكرة طرحها أحد الموظفين عبر منصة EDGENIUS، منصة إيدج الداخلية للابتكار، وتمثلت في تطوير حل تعليمي بتقنية الميتافيرس لتعلّم منهجية Six Sigma. وهو مشروع أسهمت في دعم مسيرته منذ انطلاق الفكرة، مروراً بمراحل تطويرها، وصولاً إلى تنفيذها وتحويلها إلى حل قابل للتطبيق.
جسر لسوق العمل

مريم الدهماني
فيما انضمت مريم الدهماني، مهندسة تصنيع العمليات في «إي بي آي»، بعد تخرجها مباشرة إلى برنامج «IGNITE» الذي مثّل جسراً بين الدراسة وسوق العمل الفعلي، وعبر تدريب تقني وشخصي وخبرة عملية متدرجة، وبنهاية عامها الثاني، كانت قد أتمت البرنامج وأصبحت سفيرة للمجموعة وداعمة لصوت الشباب، ثم التحقت بالمعسكر الهندسي.
في المعسكر الهندسي، كانت مريم واحدة من 19 مهندساً ومختصاً إماراتياً شاباً يمثلون خمسة تخصصات مختلفة لخوض تجربة تعليمية متعددة التخصصات تجمع بين التعلم المنهجي ومواجهة تحديات هندسية واقعية.
طائرة مسيّرة
وتشير إلى أنها كانت ضمن فريق كُلّف بناء طائرة مسيّرة من الصفر خلال تسعة شهور، إذ تولت إدارة المشروع وهندسة النظم مع فريق التقت أعضاءه للمرة الأولى، موضحة إن التجربة كانت أشبه بمحاكاة متكاملة لبيئة العمل الفعلية، فالتحديات التي كنت تسمع عنها في السياقات المهنية أصبحت فجأة تحديات حقيقية تتعامل معها بنفسها.
المصدر: جريدة الخليج

