يشهد قطاع الإنشاءات تحولاً سريعاً مع تزايد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وقدرته على تحسين متابعة تقدم المشاريع، وتحديد المخاطر، ودعم مراقبة الجودة، وتقليل الأعباء الإدارية على فرق المشاريع. لكن مع تسارع تبني هذه التقنيات، يبرز تحدٍ أساسي قد يحدد مدى نجاحها: هل بيانات مشاريع البناء موثوقة وجاهزة لاستخدام الذكاء الاصطناعي؟
ويستعرض إبراهيم إمام، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي المشارك لشركة «بلان رادار»، التفاوت بين الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي والاستعداد التشغيلي الفعلي لتطبيقه، ويوضح لماذا تبدأ جاهزية الذكاء الاصطناعي من جودة البيانات والعمليات اليومية في موقع البناء.
1. أصبح الذكاء الاصطناعي أولوية متزايدة في قطاع الإنشاءات. ما الذي يدفع هذا التحول، لا سيما في أسواق مثل دولة الإمارات؟
في دولة الإمارات، يواكب هذا التحول توجه طموح نحو تبني تقنيات البناء الحديثة. فقد أطلقت بلدية دبي تحدياً عالمياً لبناء أول فيلا سكنية في العالم يتم تنفيذها بالكامل باستخدام الأنظمة الروبوتية. كما أعلنت عن «استراتيجية 70–70»، التي تستهدف تحويل 70% من عمليات البناء إلى التصنيع خارج الموقع، وتحقيق ما لا يقل عن 70% من الأتمتة داخل المصانع بحلول عام 2030.
تعكس هذه التطورات مدى سرعة تقدم تقنيات البناء، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً: قبل أن تسأل الشركات عما يمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه لمشاريعها، عليها أن تسأل ما إذا كانت بيانات هذه المشاريع موثوقة وجاهزة لاستخدامه.
قطاع الإنشاءات لا يعاني من نقص في البيانات. بل على العكس، ينتج كل مشروع إنشائي كميات هائلة من المعلومات، تشمل المخططات، والصور، وسجلات التفتيش، وتحديثات التقدم، والموافقات، وطلبات المعلومات، وملاحظات السلامة، والتقارير، وغيرها من البيانات التي يتم إنشاؤها طوال دورة حياة المشروع.
لكن التحدي يكمن في أن هذه المعلومات غالباً ما تكون موزعة بين أنظمة مختلفة. وبالتالي، قد يمتلك المشروع كمية كبيرة من البيانات، لكنه يفتقر إلى مصدر موثوق ومتكامل للمعلومات. ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي تصحيح ذلك تلقائياً. فإذا كانت سجلات المشروع غير مكتملة، أو قديمة، أو مكررة، أو منفصلة عن موقعها وسياقها الأصلي، فقد تكون التحليلات الناتجة عنها أيضاً غير مكتملة.
2. تشير أبحاث RICS إلى أن العديد من مؤسسات الإنشاءات لا تزال في المراحل الأولى من تبني الذكاء الاصطناعي. لماذا توجد هذه الفجوة بين الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والاستعداد الفعلي لتطبيقه؟
كشف تقرير صادر عن المعهد الملكي للمسّاحين القانونيين «RICS» في عام 2025، استند إلى أكثر من 2,200 استجابة من متخصصين حول العالم، وجاءت 14% من هذه الاستجابات من منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، أن 45% من المشاركين أفادوا بعدم تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل مؤسساتهم، بينما أوضح 34% أنهم لا يزالون في مراحل التجارب الأولية.
وأشار أقل بقليل من 12% إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة في عمليات محددة، بينما أفاد أقل من 1% بأن التقنية أصبحت مدمجة بالكامل على مستوى مؤسساتهم. تعكس هذه النتائج تباين واضح بين الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والاستعداد التشغيلي الفعلي لتطبيقه.
قد تستثمر الشركات في تجارب وأدوات منفردة، وكلما زاد عدد الجهات المشاركة في تسجيل المعلومات، ازدادت الحاجة إلى وضع قواعد موحدة لكيفية جمع هذه المعلومات وتحديثها والتحقق منها.
3. إذا أرادت شركة إنشاءات أن تصبح جاهزة للذكاء الاصطناعي، فما التغييرات العملية التي ينبغي أن تبدأ بها، وكيف يمكنها تحديد أفضل نقطة بداية لاستخدام هذه التقنية؟
لا يبدأ إعداد بيانات البناء للذكاء الاصطناعي بشراء أحد الحلول التقنية، بل بتحسين العمليات اليومية التي يتم من خلالها إنشاء معلومات المشروع وإدارتها.
أولاً، تحتاج الفرق إلى طريقة موحدة لتسجيل الأنشطة المتكررة مثل عمليات التفتيش، والعيوب، والموافقات، وملاحظات السلامة. ويجب توثيق النوع نفسه من الأحداث باستخدام حقول وتصنيفات ومسميات موحدة، بصرف النظر عن الشخص أو الشركة أو التخصص الذي قام بتسجيلها.
ثانياً، يجب أن تحتفظ المعلومات بسياقها داخل المشروع. فعلى سبيل المثال، تصبح الصورة أكثر فائدة عندما تكون مرتبطة بموقع أو مخطط أو وحدة أو عملية تفتيش أو ملاحظة محددة. وبالمثل، يجب أن يكون لكل إجراء مسؤول واضح، وحالة محددة، وموعد نهائي، ومتطلبات واضحة للإغلاق.
ثالثاً، يحتاج جميع المشاركين في المشروع إلى الوصول إلى المعلومات المحدثة. فإذا كانت الفرق تعمل باستخدام نسخ مختلفة من المخططات أو تقوم بتحديث جداول بيانات منفصلة، فستستند تحليلات الذكاء الاصطناعي إلى سجلات متعارضة.
وأخيراً، يجب أن تكون إجراءات التوثيق عملية وقابلة للتطبيق في ظروف الموقع الحقيقية. فالعملية التي لا يتم الالتزام بها إلا عندما يتوفر لدى الفرق وقت إضافي ستؤدي سريعاً إلى ظهور فجوات في البيانات.
كما يجب على شركات الإنشاءات تجنب تبني الذكاء الاصطناعي دون تحديد هدف تشغيلي واضح. وينبغي أن تكون نقطة البداية قراراً تجارياً أو متعلقاً بالمشروع يحتاج إلى اتخاذه بسرعة أكبر، أو بصورة أكثر اتساقاً، أو بناءً على معلومات أفضل.
على سبيل المثال، قد يرغب فريق المشروع في تحديد مشكلات الجودة المتكررة عبر عدة طوابق، أو اكتشاف الأنشطة التي تتأخر عن الجدول الزمني، أو العثور على سجلات التفتيش التي تفتقر إلى الأدلة المطلوبة للحصول على الموافقة.
تمثل هذه حالات استخدام محددة يمكن اختبارها بالاستناد إلى بيانات المشروع المتاحة. كما تسمح للشركات بقياس قيمة التقنية في ضوء نتائج فعلية للمشروع، بدلاً من التعامل مع تبني الذكاء الاصطناعي باعتباره هدفاً في حد ذاته.
4. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلل الحاجة إلى الخبرة البشرية في قطاع الإنشاءات، وما مدى أهمية الحوكمة عندما يبدأ في التأثير في القرارات المتعلقة بالمشاريع؟
لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى الخبرة البشرية، بل يمكن أن يساعد المتخصصين على استخدامها بصورة أكثر فاعلية.
فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كميات كبيرة من المعلومات بسرعة، وتحديد الأنماط، وتسليط الضوء على الحالات التي قد تتطلب اهتماماً بشرياً. لكن تفسير هذه النتائج واتخاذ القرار النهائي يتطلبان فهماً للمشروع، ومتطلباته التعاقدية، والظروف الفعلية في موقع البناء.
لهذا السبب، ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لدعم الخبراء، وليس بديلاً عن الحكم المهني.
وتكتسب الحوكمة أهمية متزايدة مع استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم القرارات المتعلقة بالمشاريع. فقد دخل أول معيار مهني عالمي يصدره المعهد الملكي للمسّاحين القانونيين «RICS» للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الممارسات المهنية للمسّاحين حيز التنفيذ في 9 مارس 2026.
ويحدد المعيار متطلبات تتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر، والحكم المهني والإشراف، والشفافية والتواصل مع العملاء، والتطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي.
لذلك، تحتاج شركات الإنشاءات إلى تحديد مسؤوليات واضحة عن المعلومات المقدمة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك عن القرارات التي يتم اتخاذها بالاستناد إلى مخرجاتها.
ويجب أن يتمكن المتخصصون في المشروع من مراجعة النتائج، والتحقق من الأدلة، والتعرف على الحالات التي قد يفتقد فيها النظام إلى سياق مهم.
5. ما الذي ينبغي على المطورين والمقاولين القيام به اليوم للاستعداد للمرحلة المقبلة من تبني الذكاء الاصطناعي؟
تبدأ الخطوات الأساسية من موقع البناء نفسه.على الشركات توحيد طريقة تسجيل معلومات الموقع، وربط الأدلة بموقعها وسياقها، والحفاظ على سجلات المشروع محدثة، وتحديد مسؤولية واضحة عن كل إجراء.
كما ينبغي أن تركز على حالات استخدام محددة يمكن قياس نتائجها، بدلاً من تبني الذكاء الاصطناعي لمجرد مواكبة التوجه العام.
هذه الممارسات لا تساعد فقط على الاستعداد للذكاء الاصطناعي، بل تسهم بالفعل في إدارة المشاريع بكفاءة وشفافية أكبر.
ومع استمرار تطور قطاع الإنشاءات في دولة الإمارات، ستصبح القدرة على إدارة المعلومات بصورة منظمة وموثوقة أكثر أهمية، خصوصاً مع ازدياد حجم المشاريع وعدد الجهات المشاركة فيها.
6. إذا أردت أن تلخص رسالتك إلى قطاع الإنشاءات في جملة واحدة، فما الذي يجب أن يتذكره قادة القطاع؟
لن تكون الشركات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي بالضرورة هي التي تتبناه أولاً، بل التي تبدأ من موقع البناء وتجعل معلومات مشاريعها منظمة وموثوقة وجديرة بالتحليل.
المصدر: جريدة الوطن

