في التجربة الخطية الإماراتية، هناك الكثير مما يمكن الوقوف عنده في علاقة الخط بالمعنى، وفي تلك القوة البصرية لهذا الخط في احتضان الدلالات العميقة، خاصة من خلال تلك الأقوال والعبارات الدينية أو تلك التي تستند على تراث المأثور النبوي الشريف.
نتوقف في هذه القراءة عند لوحة جميلة للفنانة الإماراتية مريم الفارسي، استخدمت فيها تلك الوصية الشهيرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال العبارة الخالدة: «رفقاً بالقوارير»، التي تلخص كل معاني الرحمة، واللطف، والتقدير للمرأة، كما أن تشبيههن بالقوارير يعكس رقة مشاعرهن، وصفاء قلوبهن، مما يفرض على المجتمع التعامل معهن بوعي وحذر كي لا يخدش هذا الجمال أو يكسر تلك الرقة التي لا تعني الضعف، بل هي القوة الهادئة التي تواجه قسوة الزمن وتمنح الحياة توازنها ودفئها.
تكوين
استخدمت مريم الفارسي، في اللوحة خطاً ليس تقليدياً بل هو أقرب لملامح الديواني في انحناءاته وامتداداته وانسيابية حروفه، حيث جاءت (القارورة) لتحتل مركز اللوحة، وقد جزأت الفنانة العبارة النبوية الشريفة التي تتكون من كلمتين لتحتل كل واحدة منها جانباً من جوانب المنظور الفني من جهتي اليمين واليسار، مع ظهور اختلاف واضح في حجم واتجاهات الحروف، وهذا يمنح اللوحة توازناً مدروساً من قبل الفنانة التي جعلت القارورة أكثر حضوراً، ودفعت باتجاه تعميق حركية العمل، من خلال اتجاهات الحروف الكبيرة التي تقود عين المشاهد من الأطراف نحو المركز، ثم إلى الأسفل في محاكاة بصرية لحركة القارورة.
من جهة ثانية حرصت الفنانة على ملء جانبي اللوحة بتشكيلات وحروف صغيرة منحت التكوين ميزة بصرية مضافة بينما تبدو الحروف الكبيرة في المقدمة أكثر بروزاً، لقد عمق هذا التكوين الفني للوحة من ميزة التوازن الذي يقوم أو يستند على طرفي العلاقة بين المركز والأطراف، والكثافة والفراغ، والسكون والحركة، ما يجعل القارورة في علاقتها مع تصميم الحروف، تبدو في انسجام تام مع دلالة المقولة النبوية.
حرصت مريم الفارسي على مسألة اللون في هذه اللوحة الجميلة، بالتركيز على فلسفة استخدام هذه الألوان التي جاءت ليس بوصفها عنصراً جمالياً فقط، بل تحمل وظيفة ودلالة رمزية، حيث يربط اللون هنا، بين معنى الخط العربي وبين فكرة (الوعاء/ القارورة) التي تحتضن النص. كما أن استخدام اللون الأصفر الترابي أو الذهبي بصفته هو اللون المسيطر في اللوحة، خاصة في مركزها يمكن أن يحيل إلى لون الأرض، والدفء والذاكرة والقدم، ما يمنح القارورة قيمة شبه مقدسة وكأنها وعاء يحمل شيئاً ثميناً ك (كالحكمة أو الذاكرة).
أما اللون الداكن أو الأسود في بعض أجزاء الخط، فيمنح العمل قوة بصرية تدل على معنى الثبات والعمق والهيبة، وما هو جميل بحق هو أن اللون الأسود هنا، لا يظهر ككتلة منفصلة عن العمل، بل هو يحتضن الألوان، وكأن الخط هو الذي يمنح اللون وجوده وحدوده، كما نشير إلى اللون الأبيض الذي يتخلل المساحات الفاتحة حول الحروف، وكان هذا الاستخدام الذكي من قبل الفنانة للأبيض، قد ساعد في منح اللوحة معنى فلسفياً لجهة تخيل أو تصور العلاقة بين الأبيض والصمت، ذلك الصمت الذي يجعل الكلام ممكناً ودالاً.
اللوحة بهذا المعنى تشكل حواراً بين الخط العربي واللون، وبين التراث كقيمة، وهي بكل تأكيد ليست مجرد عمل خطي ليس إلا.
المصدر: جريدة الخليج

